مقالات الشيخ / أبو خديجة عصام الدين أبو السعود 

ماأشبهَ الليلةَ بالبارِحةِ
ويْــلَـــكـــم يــا لَــغُــدَر

أصل هذا المقال:
تفريغ وتنقيح لكلمة صوتية
ألقيت يوم الأحد الماضي بتاريخ2 صفر 1439هـ
بمسجد الصحابة بكفر العلو بحلوان

============*

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أما بعد:

فلا يزال أهل الباطل ينفثون سُمومَهم ومكرَهم بين أهل الحق، ويحيكون القلاقلَ والفتن بين المؤمنين، ويتناصرون فيما بينهم ويتكالبون مع بعضهم للقضاء على أهل السنة -حكامًا ومحكومين- مع اختلافِ مناهجهم، وتنوُّعِ مشاربهم، وكثرةِ سُبُلهم، حتى أنك تعجب من اجتماعِ الخارجي مع المرجئي، والقدَري مع الجبري، والرافضي مع الناصبي، والصوفي مع المعتزلي، والملحد مع من ينتسب إلى الدين، إلى غير ذلك من المتناقضات العقلية، والمسلّمات البديهية، فاجتمعوا على الكيد والفتك بأهل السنة -عوامَّ وعلماءَ وأمراء- : { أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } سورة “الذاريات” الآية (٥٣).

لذلك أُمِر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأمتُه من باب أولى- بترك هؤلاء القوم، واجتناب مجالسهم، وكتبهم، وأقوالهم، ومواقعهم، وقنواتهم، مع إخلاص النصح لأئمة المسلمين وعامَّتهم بالمعروف؛ فقال تعالى : {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} سورة “الذاريات” الآيات (٥٣-٥٥). وقال -صلى الله عليه وسلم- : “الدين النصيحة” أخرجه مسلم من حديث تميم بن أوس الداريّ .

ويشتدُّ عداء أهل الباطل لأهل الحق كلما نشط أهل الحق في دعوتهم، وتحذيرهم من الباطل وأهله، وكلما ازدادت قوتُهم العلمية، والعسكرية، والاقتصادية، والسياسية، وكلما استقرت أحوالهم الاجتماعية، والأمنية، حينها يحيصون حيصَ الحُمُر، ويستنفرون أشرارهم وأفراخهم وأذنابهم من كل حَدَبٍ وصوْب؛ لتدمير هذه القوة، وضربِ اقتصادها، وبثِّ الفرقة بين أهل السنة، وزعزعةِ الأمن والاستقرار داخل بلادهم، وتجنيدِ الخائنين والمُخذلين وكلِّ مفتون؛ للعمل على تحقيق هذه الأهداف الخسيسة، ونصرة هذه المناهج الباطلة.

وللأسف الشديد: نجدُ من ضعافِ الإيمان، ومرضى القلوب، وصغارِ العقول: من يستمع لأباطيلهم استماعَ المتلذذ، ويشاهد غدرَهم مشاهدة المستمتع، ويُذيع إفكهم إذاعة الحريص الناصح! وهم مع هذا يدَّعون أنهم يحاربون الظلم، وينصرون الحق! وهم كاذبون مراوغون، وإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

وقد حذّرنا الله تعالى -في غيرِ آية- من وجودِنا بينهم، وسماعِنا لهم، وأخبرنا بكذب ما يدَّعون من نصرة الحق والدِّين؛ فقال تعالى : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ } سورة “التوبة” الآيتان (٤٧-٤٨)..

وقال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } سورة “البقرة” الآيات (٢٠٤ – ٢٠٦).

وقال تعالى :{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } سورة “المنافقون” الآية (٤).

ما أشبهَ الليلةَ بالبارحةِ ..

لقد صبرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- على أذى المشركين والكافرين، بعدما تعرّضوا لصنوفٍ من الأذى داخلَ مكة لمدةٍ تزيدُ على عِقدٍ من الزمان، ومُنعوا من الصدع بالحق، ومُنعوا الطعامَ والشراب، والبيعَ والشراء، والنكاح، لمدة ثلاث سنوات في شِعب بني هاشم، وقُتل منهم من قُتل لأجل نصرة العصبيات والنعرات الجاهلية.

لكنهم صبروا مع نبيِّهم -صلى الله عليه وسلم- ، وهاجروا إلى يثرب، وهناك ضربوا أروع الأمثلة للنهوض بوطنهم الجديد؛ فجمعوا بين حسن الإعداد المعنوي -بالعلم النافع، والعمل الصالح-، والإعدادِ الماديِّ -بتجهيز الجيوش، وتعلُّم الرمي-، والحفاظِ على النسيج المجتمعي -بالتآخي فيما بينهم، وحفظِ ذمة الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- مع أهل الذمة-، وبهذا وغيره أثنى الله تعالى عليهم في كتابه، فقال تعالى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } سورة “الحشر” الآيتان (٨ – ٩).

لأجل ذلك: نصرهم الله يومَ بدر؛ بفضله تعالى ، ثم بقوة إيمانهم وصبرِهم؛ قال تعالى:{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } سورة “آل عمران” الآية (١٢٣).

لكنّ هذه النجاحات والانتصارات المتتالية في مدة قصيرة -بعد عامين من الهجرة- غاظت قوى الشرِّ والكفرِ والتطرُّف، فازداد حُنْقُهم وحُمقهم، واجتمع أعداء الحقِّ والدّين -رغم تباعد مساكِنهم، وتباين مناهِجهم- للنيل من هذه المدينة وقتالِ أهلها، وأظهر الجميعُ مكنون باطنهم الخبيث، وبدت البغضاء من أفواههم؛ فنقضوا عهدَهم، وألَّبوا إخوانَهم على بلدهم، ومن الناحية الأخرى: زادت قريشٌ في طغيانها، وتطاول رؤساء اليهود على الإسلام وآذووا اللهَ تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، وتحالف الأعرابُ خارج المدينة -من بني ثعلبة وغُطفان وبني سُليم- للغارة على المدينة.

حتى كانت غزوة أحد في العام الثالث، وفيها لم يستطع المنافقون والمشركون واليهود أن يواجهوا الحق وأهله بالقوة والسنان؛ فلجأوا إلى أعمال الغدر والخيانة والمكر والخديعة، فرجع عبد الله بن أُبيّ بن سلول بثلثِ الجيش إلى المدينة، وصنع المشركون الكمائنَ والحُفَر؛ ليوقعوا بالصحابة -رضي الله عنهم- ، بالإضافة إلى نزول نفرٍ من الرماة، واشتغالهم بالغنيمة، وعدم الصبر وطاعة الأمير، كلُّ هذا أدّى إلى أن أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أُحُد، وقُتل من أفاضل الصحابة من قُتل؛ كحمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- ، وسخر اليهود والمنافقون من المسلمين، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا { لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } سورة “آل عمران” الآية (١٥٦).

فما أشبه الليلة بالبارحة.

ولم تفت هذه الخيانات والتحالفات في عضد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، بل زادتهم إيمانًا وتوكلًا على الله تعالى وحده، فاستمروا في نشر الحق ورحمة الخلق بهذا الدين، واهتمّوا بما خُلقوا له، ولم يهتموا بما خُلِق لهم من لُعَاعات الدنيا الفانية، وكانوا حريصين على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشقاوة والضلال إلى الخير والحبور، فرحين بنجاة من نجى من النار لا الفرح بهلاكه وحرقه بها، فزادهم الله إيمانًا وقوةً إلى إيمانهم وقوتهم.

فلم يجد أعداء الدين إلا أعمال الغدر والخيانة؛ ليوقفوا هذا السيل الجرار، المتدفق بالخير والازدهار؛ ففي صفر من العام الرابع من الهجرة: غَدَر رهْطٌ -من عضَل والقارة- بعشرةٍ من خيرةِ الصحابة -رضي الله عنهم- ، بعد أن استمدوهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمَّنوهم، ثم دلُّوا عليهم هُذيلاً، فنفروا إليهم فيما يقرب من مائتي رامٍ، فقتلوهم بالنبل، ولما همّوا بقتل آخرهم وهو خُبيب بن عدي -رضي الله عنه- أنشد قائلًا :

ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي
ولــســت بمبدٍ للعدو تخشّعـــاً *** ولا جزِعــاً ، إنّي إلى الله مَرجعــي

فضربوا أروع الأمثلة في الثبات والشجاعة والتقدم، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدّلوا تبديلاً، وقد كان لهذه الغدرات الأثرُ الكبير في نفوس المسلمين حينئذ.

وفي نفس هذا الشهر -صفر من العام الرابع- بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل نجد سبعين صحابيًّا من حفظة كتاب الله تعالى ؛ ليرشدوهم إلى الحق، فقام عامر بن الطفيل -سيد بني عامر- فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم -وهم رِعْلٌ وذَكْوَان وعُصَيَّة- فأحاطوا بهؤلاء القراء، وقتلوهم عن آخرهم إلا رجلين منهم -رضي الله عنهم-.

وقد وصل للنبي -صلى الله عليه وسلم- خبرُ هذه الحادثة -المعروفة بحادثة بئر معونة- مع خبر سرية الرجيع في يومٍ واحد، فحزن -صلى الله عليه وسلم- عليهم حزنًا شديدًا، وخطب في أصحابه، وكان فيما قال -صلى الله عليه وسلم- عن القرّاء: «إن إخوانكم قد قُتِلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا» رواه مسلم (3529) من حديث أنس بن مالك، وأقام يدعو على الغادرين شهرًا في الصلاة.

فما أسوأ عاقبة الطيش والغدر؛ فقد تكون الأمة مرتاحة البال هادئة الخواطر حتى تقومَ جماعةٌ ظالمة أو تنظيمٌ دمويٌّ بأعمال غدر، يظنون من ورائها النكاية والنجاح والانتصار؛ فتجلب عليهم وعلى أقوامهم الشرور والفتن والعار، ويعاقبهم الله تعالى بحرمانهم مما أرادوا، فما أشبه الليلة بالبارحة.

ويلكم يا لَغُدَر..

الغدر لغة: قال ابن فارس -رحمه الله : «الغين والراء أصلٌ صحيح يدل على ترك الشيء، من ذلك: الغدر: نقض العهد، وترك الوفاء به، ويقولون في الذم: يا غُدَر، وغدرته فهو غادر».

وقال الراغب -رحمه الله: « والغدر: يقال لترك العهد، ومنه قيل: فلان غادر، وجمعه: غَدَرَة، وغدَّار: كثيرُ الغدر، وغدر الرجل غدرًا وغدرانًا، وقالوا الذئب غادر ، أي : لا عهد له كما قالوا : الذئب فاجر .

قال ابن منظور -رحمه الله :”ورجل غادر وغدار وغدير وغدور … وغُدَر ، وأكثر ما يستعمل هذا في النداء في الشتم ، يقال :يا غُدَر ، ويقال في الجمع يا لغُدَر “.

واصطلاحا : قال الحافظ -رحمه الله – في “الفتح” هو الرجوع عما يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به ، وهو خلق مستقبح ، وإن كان يصاحبه فيه منفعة ، وهو بالملوك والرؤساء أقبح ، ولهم أضر .

فالغدر من الصفات المذمومة ، والخصال القبيحة التي تدل على فساد في النية والطوية وخلالٍ وإنحراف في القول والعمل .

وهو من خصال أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين في الدرك الأسفل من النار ، الذين يتشدقون بالحق والخير ويبطنون الضلال والشر ، أولئك القوم هم الأعداء للدين وللنفس والأرض والعرض ، فلا يضرنك قولهم المزخرف ، ولا سمتهم المزيف ، وقد استبطنوا العداوة والبغضاء لمن حوله من المسلمين.

قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } سورة “البقرة” الآيات (٢٠٤ – ٢٠٦).

وقال تعالى :{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } سورة “المنافقون” الآية (٤) .

لذا حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من التشبه بأي خصلة من خصالهم ، ومن إتصف بها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، أخرج الشيخان في صحيحهما عن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا أئتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ،وإذا خاصم فجر» .

قال علماؤنا -رحمهم الله تعالى: إذا عاهد غدر أي إذا أعطى عهدا على أي شيء من الأشياء غدر به ونقض العهد ، وهذا يشمل تحريم الغدر مع جميع الخلق من المسلمين والمعاهدين من غير المسلمين .

والغدر محرم في جميع شرائع الأنبياء ، وهو أشد حرمة في شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فهو من كبائر الذنوب ، وصاحبه متوعد بأشد العقوبات والعذاب والويل ، كما أنه معرض في الدنيا لسخط الله تعالى ، وسخط خلقه ، ولعنهم له ، ودعاؤهم عليه ، ولا يفلح الغادرون أبداً، ولا صلاح لأعمالهم ، ولا نفاذ لكلامهم .

روى الشيخان عن ابن عباس -رضي الله عنهم- قصة هرقل ملك الروم مع ابي سفيان بن حرب -رضي الله عنه- ومنها تلك العشرة أسئلة التي يتضح من خلالها الحق والإصلاح من منهج الضلال والإفساد ، فقال وسألتك هل يغدر؟ فقلت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون … الحديث .

وهكذا أتباع الرسل يتبرأون من الغدر وأهله خلافا لأعداء الأنبياء والسنن سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان ، اللذين يخدعون الجهلاء بأنهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميِّة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، شر قتلى تحت أديم السماء ، وهم كلاب أهل النار ، كما جائت النصوص بأوصافهم والتحذير منهم ، فحُق أن يُستنفَر من بالداخل والخارج لصد فكر هؤلاء الخوارج ، اللذين أفسدوا ديننا ودنيانا .

ديننا دين السماحة والإحسان والرحمة يريدون هؤلاء قصدوا أم لم يقصدوا أن يصوروه للناس أنه دين الغدر والإجرام والقسوة ، كيف ذلك وهو دين يخبر -خبراً لفظا إنشائياً معنى- بأن إمرأة بغي دخلت الجنة في كلب رحمته فسقته وحالت دون أن يموت عطشا، وفي المقابل يخبر عن امرأة دخلت النار في هرة سجنتها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة الصريحة في النهي عن قتل الأنفس المعصومة بغير حق .

شريعة غراء شدد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- التحذير من كل خلق ذميم ومنه الغدر ومخالفة عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو في أمور ٍدنيوية بسيطة ، للدلالة على عظم وحرم هذا العمل وأثاره الخطيرة .

أخرج ابن ماجه -رحمه الله- في سنته عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال : “أُهدي للنبي -صلى الله عليه وسلم- عنبٌ من الطائف فدعاني ، فقال خذ هذا العنقود فأبلغه أمك ، فأكلته قبل أن أبلغه إياها ، ولما كان بعد ليالٍ قال لي ما فعل العنقود، هل أبلغته أمك ؟ قلت :لا ، قال: فسماني غُدَرَ .

قلت : فكيف بمن قتل المسلمين والمعاهَدين المُستأمَنين بغير حق؟! ، كيف بمن اغتال خيرة العلماء بغير ذنب ؟! ، كيف بمن غدر برجال الأمن على الثغور والحدود في أفضل البقع وأعظم الأوقات حرمة عند الله تعالى وعند المؤمنين ؟! ، كيف بمن خرب وفجر وأحرق ودمر المقدرات والممتلكات الخاصة والعامة ؟! ، كيف وكيف .. فحسبنا الله ونعم والوكيل .

هؤلاء القوم هم من أبغض الخلق إلى الله عز وجل وإلى المؤمنين؛ أخرج البخاري -رحمه الله- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» .

قال ابن تيمية -رحمه الله: «سنة الجاهلية يندرج فيها كل جاهلية مطلقة أو مقيدة ، أي : في شخص دون شخص ، كتابية أو وثنية ، أو غيرهما من كل مخالفة لما جاء به المرسلون» .أهـ .

وهؤلاء جمعوا الثلاث جميعا في أقوالهم وأعمالهم .

فالغدر عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة ، في الدنيا صاحبه مطرود ملعون ، وفي الآخرة متوعد بالنار والخزي والعار ؛ ولذا تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وكذلك كل عاقل صادق ، من الغدر وأهله .

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ ».

قال الصنعاني -رحمه الله- فيه دلالة على شدة جرم من ذَكر ، وأنه تعالى يخصمهم يوم القيامة نيابة عن من ظلموه ، وقوله أُعطى بي : أي : حلف باسمي وعاهد ، أو أعطى الأمان باسمي وبما شرعته من ديني ، وتحريم الغدر والنكث مجمع عليه . أهـ .

وقال -صلى الله عليه وسلم- : « ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلاً ولا صرفًا» أخرجه مسلمٌ من حديث علي رضي الله عنه.

فإذا كان هذا الوعد في حقِّ من أخفر مسلمًا وحدًا، فكيف بمن أخفر رهطًا؟ فكيف بمن أخفر بلدًا؟! فكيف بمن أخفر أمّة؟!! فعليه لعنات الملائكة والناس أجمعين، وقد برئَ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غير ما حديث صحيح.

جاء في الصحيحين، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «من حمل علينا السلاح فليس منا».

وفي صحيح مسلم، أنه -صلى الله عليه وسلم- قال : «ومن قاتل تحت راية عمية، يدعو لعصبة، أو يغضب لعصبة، فقُتل، فقتلته قتلة جاهلية، ون خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس مني ولست منه».

وكل سنيّ متبع يجب عليه أن يتبرأ مما برئ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ فاللهم إنا نبرأ إليك مما فعل هؤلاء الخوارج المارقون، بجميع مسمياتهم، واختلاف اتجاهاتهم، من تنظيم داعش، والقاعدة، والنصرة، وبوكو حرام، وجماعة الشباب المقاتلة، وطالبان، والجماعات الإسلامية المنحرفة عموما، والجماعة الأم الإخوان المسلمين، وربيبتها التبليغية.

وهؤلاء القوم معرَّضون لإجابة دعاء المظلومين والمكلومين والصالحين، الذين فقدوا آباءهم وأزواجهم وأولادهم وإخوانهم، جرّاء هذه العمليات الخسيسة، فقد قنت النبي -صلى الله عليه وسلم- شهرًا كاملًا يدعو على رعل وذكوان وعصية، لقتلهم -غدرًا- سبعين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدّم، فكيف بمن قتل المئات من خيرة علماء المسلمين، وخيرة محاربيهم ومقاتليهم، من الذين يحافظون عن حدود الدور، وعقيدة الصدور، فهم متوعّدون بسخط الله تعالى وسخط عباده في الدنيا والآخرة، ولفضيحة الآخرة أشدّ وأنكى .

أخرج الشيخان في صحيحيهما عن غير واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يُنصب لكل غادرٍ لواء عند استه يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» .

قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم: « لكل غادر لواء أي علامة يُشهد بها في الناس ، لأن موضوع اللواء الشهرة ، وفي هذه الأحاديث بيان غُلظ تحريم الغدر ، وظاهره أن لكل غدرةٍ لواء ، فيكون للواحد ألويةٌ بعدد غدراته» .أهـ .

فسبحان الله، كيف لا يرعوي هؤلاء السفهاء الضلال بمثل هذه الأدلة الصريحة في تغليظ وتحريم وتجريم أعمالهم، وفضيحتهم في الدنيا والآخرة، وكم عدد أولية الغدر والخيانة التي ترفع عند استهم.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- معلقًا على الحديث : “والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا، لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل، وهكذا يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، وليخزيهم الله على رؤوس الخلائق” اهـ .

وقال الشوكاني -رحمه الله- في شرحه على المنتقى : “عند استه: قال المنير: كأنه عُومل بنقيض قصده، لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس، فنصه عند السفل زيادة في فضيحته، لأن الأعين غالبًا تمتد إلى الألوية فيكون ذلك سببًا لامتدادها للذي بدت له ذلك اليوم” اهـ .

فالله أسأل بأسماءه الحسنى وصفاته العلى، أن يخزي هؤلاء الخوارج، وأن ينتقم منهم، وأن يرحم قتلى أهل السنة، ويرزقهم الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يأجر أقوامهم في مصيبتهم، وأن يصرف عنا وعنهم وعن جميع المسلمين كيد الكائدين ومكر الماكرين وشر كل ذي شر، بفضله ومَنِّه.

كما أدعو الله عز وجل أن يؤلّف بين قلوب والرعية، وبين الرعية بعضهم وبعض، وأن يسلل سخيمة قلوبنا، وأن يجعلنا صفًا واحدًا على الحق مجتمعين، صادعين به، صابرين عليه، مجانبين للخلافات والنزاعات وسفاسف الأمور، حارسين لظهور إخواننا وجنودنا، مترحمين على من مات منهم، ذاكرين جميلهم علينا، غير جاحدين.

فإياك إياك أيها المسلم من خيانتهم، أو تخذيلهم، أو تثبيطهم، بقولٍ، أو فعلٍ، أو أي شكلٍ من الأشكال. قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } سورة “الأنفال” الآية ٢٧.

وقال -صلى الله عليه وسلم- : “ذمة المسلمين واحدة، فإذا جارت عليهم جائرة فلا تخفروها، فإن لكل غادرٍ لواء يُعرف به يوم القيامة” صحيح الجامع من حديث عائشة رضي الله عنها.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه
أبو خديجة
عصام الدين بن أبي السعود
غفر الله له ولوالديه ولشيوخه وللمسلمين أجمعي

 

جامع العلوم الشرعية
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

عن fredericfrias9

شاهد أيضاً

مقالات مركز سلف

براءة معاوية بن أبي سفيان من الأمر بلعن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنهما- …