جامع العلوم الشرعية
أخبار الموقع     جديد التفريغات - شرح كتاب الامارة من صحيح مسلم    جديد دروس الشيخ / عصام أبو السعود     جديد الكتب /النكت على كتاب ابن الصلاح -- الشيخ ربيع بن هادى المدخلى    موسوعة الألبانى للحديث    الفتاوى المرئية- جامع العلوم الشرعية    سير أعلام النبلاء د روس جديدة    دروس الشيخ / عبد الخالق ماضى    فتاوى-رمضان-الصوتيةالشيخ-وليد-بن-راشد     شرح القواعد المثلى – الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله     دروس الفقة    

التعليق على تفسير القرطبي – سورة فاطر (01)

عنوان الدرس: 

التعليق على تفسير القرطبي – سورة فاطر (01)

عنوان السلسلة: 

التعليق على تفسير القرطبي

تاريخ النشر: 

الأربعاء, 3 ربيع الأول, 1439 – 17:45

سماع الدرس

   

  • محتوى الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

عليكم السلام .

سم .

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، قال الإمام القرطبي– رحمه الله تعالى–: “سُورَةُ فَاطِرٍ، مَكِّيَّةٌ فِي قْوُلِ الجِمِيعِ، وَهِيَ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.}،قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}يَجُوزُ فِي “فَاطِر” ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْخَفْضُ عَلَى النَّعْتِ، وَالرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.”   

الخفض على النعت؛ يعني صفه للفظ الجلالة المجرور باللام، وهو مجروٌر مثله، والوجه الثاني، الرفع على إضمار مبتدأ، الحمد لله، هو فاطر السموات، والنصب على المدح؛ أعني أو أمدح فاطر السموات والأرض.                                                            

“وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلُ الْحَمْدِ مِثْلُهُ وَكَذَا “جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ “. وَالْفَاطِرُ: الْخَالِقُ. وَقَدْ مَضَى فِي( يُوسُفَ) وَغَيْرِهَا. وَالْفَطْرُ الشَّقُّ عَنِ الشَّيْءِ؛ يُقَالُ: فَطَرْتُهُ فَانْفَطَرَ. وَمِنْهُ: فَطَرَ نَابُ الْبَعِيرِ طَلَعَ، فَهُوَ بَعِيرٌ فَاطِر. وَتَفَطَّرَ الشَّيْءُ تَشَقَّقَ. وَسَيْفٌ فُطَارٌ، أَيْ فِيهِ تَشَقُّقٌ. قَالَ عَنْتَرَةُ :  

وَسَيْفِي كَالْعَقِيقَةِ فَهْوَ كِمْعِي
سِلَاحِي لَا أَفَلَّ وَلَا فُطَارَا”

يعني ضجيعي، كمعي؛ ضجيعي، نعم.                                                       

“وَالْفَطْرُ: الِابْتِدَاءُ وَالِاخْتِرَاعُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا{فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أَيْ أَنَا ابْتَدَأْتُهَا. وَالْفَطْرُ حَلْبُ النَّاقَةِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْعَالَمُ كُلُّهُ، وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ. (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ) لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّنْوِينُ، لِأَنَّهُ لِمَا مَضَى. (رُسُلًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ.”  

نعم، لأنه لما مضى، جاعل الملائكة لما مضى من الزمان؛ يعني جاعلهم في الزمان الماضي، فإذا كان اسم الفاعل المضاف لما بعده، يجوز فيه قطعًا الإضافة، ونصب المضاف إليه، بهذا العامل؛ يعني أقول: جاعل الملائكِة، ما تقول: جاعلٍ الملائكَة، كما تقول: “منذٌر من يخشاها”، أو”منذر من يخشاها”، وذلك لأنه هنا، لما مضى؛ يعني جعلهم فيما مضى.

 ولا يعني أن هذا الجعل أنقطع، لكن بداية هذا الجعل فيما مضى، فإذا كان،  إذا كانت دلالة اسم الفاعل المضاف في المضي، أضيف، وإن كانت الدلالة للمستقبل، قطع عن الإضافة، ونصب ما بعده.

ذكرنا مرارًا أن القائل: أنا قاتل زيدٍ، هذا يعترف بأنه قتل زيًد فيما مضى، وإذا قال: أنا قاتلٌ زيدًا، هذا يهدد، يهدد بقتل زيد، ما قتله، وهذا الفرق بين الإضافة والقطع عهنا، ولذلك يقول: لا يجوز فيه التنوين، لا يجوز أن تقول جاعلٍ الملائكَة؛ لأنه لما مضى.

“(رُسُلًا) مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَيُقَالُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ؛ لِأَنَّ (فَاعِلًا) إِذَا كَانَ.”       

جعل يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول، الملائكة، الذي هو في السورة، مضاف إليه، والثاني رسلاً.

“لِأَنَّ (فَاعِلًا) إِذَا كَانَ لِمَا مَضَى لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا، وَإِعْمَالُهُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ حُذِفَ التَّنْوِينُ مِنْهُ تَخْفِيفًا.”

يعني إعماله فيه؛ يعني إذا قلنا مفعول ثاني، قلنا العامل فيه جاعل، وهو في المستقبل لا في الماضي؛ لأن اسم الفاعل إذا كان، المشتق عمومًا الذي يعمل عمل فعله، وكذلك المصدر الذي هو أصل المشتقات، إذا كان للمستقبل، يقطع عن الإضافة، كان للماضي، يضاف.

وهنا إذا كان مضافًا، وهو للماضي، لا يعمل في ما بعده، فليس العامل في “رسلاً”، “جاعل الملائكة” على الإضافة، إنما هو عامٌل فيه إذا قطعناه عن الإضافة، وحذفت التنوين منه كما يقول: تخفيفًا، جاعل الملائكة؛ يعني كما تقول: “رأيت زيد بن محمد”، تقطع عن التنوين على لغة ربيعة، وإلا الأصل أن تقول “رأيت زيدًا بن محمٍد”، يقول راوي: سمعت أنسًا، وإذا وصفه، قال: سمعت أنس بن مالك، هذه لغة ربيعة، الربعية، وأما لغة قريش، فهم ينونون على كل حال.

“وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي. {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}الرُّسُلُ مِنْهُمْ، جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ،- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (جَاعِلُ الْمَلَائِكَةِ) بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ خُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ (جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ) وَكُلُّهُ ظَاهِرٌ. {أُولِي أَجْنِحَةٍ} نَعْتٌ، أَيْ أَصْحَابُ أَجْنِحَةٍ. {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً. قَالَ قَتَادَةُ: بَعْضُهُمْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَبَعْضُهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَبَعْضُهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ يَنْزِلُونَ بِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَعْرُجُونَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ كَذَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، أَيْ جَعَلَهُمْ رُسُلًا. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: إِلَى الْأَنْبِيَاءِ .”   

يعني الله –جلّ وعلا– يرسلهم إلى الأنبياء، للوحي وغيره، وهذا على أن {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}، وصف للأجنحة، وسيأتي قول من يقول إنها وصف للملائكة، ينزلون اثنين ثنين، ثلاثة ثلاثة، وهكذا.

“وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِلَى الْعِبَادِ بِرَحْمَةٍ أَوْ نِقْمَةٍ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‹‹رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ››. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ: (يَا مُحَمَّدُ، لَوْ رَأَيْتَ إِسْرَافِيلَ إِنَّ لَهُ لَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ مِنْهَا جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ وَإِنَّ الْعَرْشَ لَعَلَى كَاهِلِهِ وَإِنَّهُ فِي الْأَحَايِينِ لَيَتَضَاءَلُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ مِثْلَ الْرَصْعِ.”

الوصع، الوصع .                                                        

بالواو؟

نعم بالواو.

“حَتَّى يَعُودَ مِثْلَ الْوَصْعِ، وَالْوَصْعُ عُصْفُورٌ صَغِيرٌ، حَتَّى مَا يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ إِلَّا عَظَمَتُهُ). وَ(أُولُو) اسْمُ جَمْعٍ لِذُو، كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ اسْمُ جَمْعٍ لِذَا، وَنَظِيرُهُمَا فِي الْمُتَمَكِّنَةِ: الْمَخَاضُ.”

أولو، جمع، أو اسم جمع، لا واحدة له من لفظه، مفرده ذو، وهؤلاء اسم جمع لذا، اسم الإشارة، هذا، وهذان، وهؤلاء جمع، ونظيرهما في المتمكنة؛ يعني المعربة؛ لأن ما تقدم غير معرب، كلها مبنية، أولو، وهؤلاء، وذو، وذا، هذه مبنيات، غير متمكنة، نظيره في المتمكنة؛ يعني المعربة.

“وَنَظِيرُهُمَا فِي الْمُتَمَكِّنَةِ:الْمَخَاضُ وَالْخَلِفَةُ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}فِي (النِّسَاءِ) وَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}.”

لأنه معدول، على الوصفية والعدل، معدول على اثنين اثنين، ثلاثة ثلاثة، فالوصفية والعدل، من موانع الصرف،هما علتان تمنعان من الصرف، كما أن عمر ممنوع للعلمية والعدل، للعلمية والعدل، معدوٌل من عامر كما قالوا.

من الأئمة من يرى أنه مصروف؛ لأن عمر جمع عمره، وليس بمعدول عن عامر، على كل حال أكثر أهل العلم على أنه ممنوع من الصرف.

“{يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}؛أَيْ فِي خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ؛ ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ)أَيْ فِي أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ (مَا يَشَاءُ). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: يَعْنِي حُسْنَ الصَّوْتِ.وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ.”

ومضى أيضًا قبل خمسين صفحة، يعني في سورة (سبأ)، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ:10] منهم من يقول: المراد به حسن الصوت، وهو المراد بقوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} هذا تقدم؛ يعني قبل خمسين صفحه، صفحة: ( 265).

“وَقَالَ الْهَيْثَمُ الْفَارِسِيُّ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَنَامِي، فَقَالَ: ‹‹أَنْتَ الْهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ الْقُرْآنَ بِصَوْتِكَ جزآك اللَّهُ خَيْرًا››. وَقَالَ قَتَادَةُ: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)الْمَلَاحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالْحُسْنُ فِي الْأَنْفِ وَالْحَلَاوَةُ فِي الْفَمِ. وَقِيلَ: الْخَطُّ الْحَسَنُ. وَقَالَ مُهَاجِرٌ الْكَلَاعِيُّ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ‹‹الْخَطُّ الْحَسَنُ يَزِيدُ الْكَلَامَ وُضُوحًا››. وَقِيلَ: الْوَجْهُ الْحَسَنُ. وَقِيلَ فِي الْخَبَرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الْوَجْهُ الْحَسَنُ وَالصَّوْتُ الْحَسَنُ وَالشَّعْرُ الْحَسَنُ؛ ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَقَالَ النَّقَّاشُ هُوَ الشَّعْرُ الْجَعْدُ. وَقِيلَ: الْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ. وَقِيلَ: الْعُلُومُ وَالصَّنَائِعُ.”

واللفظ يحتمل جميع هذا.

“(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)مِنَ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ.قَالَ َالزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْآيَةُ مُطْلَقَةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ زِيَادَةٍ فِي الْخَلْقِ؛ مِنْ طُولِ قَامَةٍ، وَاعْتِدَالِ صُورَةٍ، وَتَمَامٍ فِي الْأَعْضَاءِ، وَقُوَّةٍ فِي الْبَطْشِ، وَحَصَافَةٍ فِي الْعَقْلِ، وَجَزَالَةٍ فِي الرَّأْيِ، وَجُرْأَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَسَمَاحَةٍ فِي النَّفْسِ، وَذَلَاقَةٍ فِي اللِّسَانِ، وَلَبَاقَةٍ فِي التَّكَلُّمِ، وَحُسْنِ تَأَتٍّ فِي مُزَاوَلَةِ الْأُمُورِ؛ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ.”

أحسن الله عليك، الخط الحسن إذًا حديث؟

لا، لا.

ضعيف؟

ضعيف، أي نعم، إشكال على “الخط الحسن”، معروف، الحديث لا يثبت، نعم.

“قَوْلُهُ تَعَالَى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا}، وَأَجَازَ النَّحْوِيُّونَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ (فَلَا مُمْسِكَ لَهُ) عَلَى لَفْظِ (مَا) وَ(لَهَا) عَلَى الْمَعْنَى. وَأَجَازُوا (وَمَا يُمْسِكُ فَلَا مُرْسِلَ لَهَا) وَأَجَازُوا (مَا يَفْتَحُ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) (بِالرَّفْعِ) تَكُونُ (مَا) بِمَعْنَى الَّذِي. أَيْ أَنَّ الرُّسُلَ بُعِثُوا رَحْمَةً لِلنَّاسِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِرْسَالِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ.”

(ما) و(من)، يعاد الضمير إليهما بالإفراد والجمع، بالتذكير والتأنيث، بناءً على اللفظ والمعنى.

 “وَقِيلَ: مَا يَأْتِيهِمْ بِهِ اللَّهُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِزْقٍ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُمْسِكَهُ، وَمَا يُمْسِكُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يُرْسِلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ الدُّعَاءُ: قَالَهُ الضَّحَّاكُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ تَوْبَةٍ. وَقِيلَ: مِنْ تَوْفِيقٍ وَهِدَايَةٍ. قُلْتُ: وَلَفْظُ الرَّحْمَةِ يَجْمَعُ ذَلِكَ إِذْ هِيَ مُنَكَّرَةٌ لِلْإِشَاعَةِ وَالْإِبْهَام.”

نعم؛ لأن النكرة من صيغ العموم، النكرة من صيغ العموم، لاسيما إذا وقعت في سياق النفي.

 “فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِكُلِ رَحْمَةٍ عَلَى الْبَدَلِ، فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا).”

ونوع الفتح، ليس المراد به نجم معين، أو كوكب معين، لا، إنما يراد به ما يدل عليه قوله- جلّ وعلا – “ما يفتح الله للناس”؛  يعني فتح الله – جلّ وعلا-.

“(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تَقَدَّمَ.قَوْلُهُ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}مَعْنَى هَذَا الذِّكْرِ الشُّكْرُ. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}.”

يعني؛ ليس بمجرد ذكر وتحدث، الذكر والتحدث بالنعم لاشك أنه من شكر الله – جلّ وعلا- من شكر الله – جلّ وعلا- ومن حمده، أن تتحدث بهذه النعمة، ظاهرًا، في المجالس، تذكر الناس بها، كما أنك تعترف بها باطنًا، وتستعملها في ما يرضي الله- جلّ وعلا-.

“{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}يَجُوزُ فِي غَيْرِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ، فَالرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى هَلْ مِنْ خَالِقٍ إِلَّا اللَّهُ؛ بِمَعْنَى مَا خَالِقٌ إِلَّا اللَّهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَعْتًا عَلَى الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: هَلْ خَالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَ(مِنْ) زَائِدَةٌ. وَالنَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَالْخَفْضُ عَلَى اللَّفْظِ.”

(من) زائدة، هل من؟ الأصل، هل خالق غير الله؟ ومراد بالزيادة هنا، الزيادة بحيث لو حذفت استقام الكلام، ولكنها تفيد التأكيد، إذ القرآن كما هو مقطوع به، مصون من الزيادة والنقصان، لا يقول قائل: مادامت زائدة نحذفها، لا، لو أنكرها منكر لكفر، نسأل الله العافية.

 “قَالَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَنْ خَلَقَ الشَّرَّ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ! هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَزّ- خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) بِالْخَفْضِ. الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ.”

هذا فيه رد على المعتزلة القدرية النفاة، الذين يثبتون خالقًا مع الله – جلّ وعلا- يجعلون الله -جلّ وعلا – يخلق الخير، والإنسان يخلق فعله، من، ويجعلون خالق مع الله – جلّ وعلا- والشر لا ينسبونه إلى الله، نعم هو نسبة لفظ، يتأدب الإنسان أن ينسب الشر إلى الله – جلّ وعلا- كما قال النبي – عليه الصلاة والسلام-‹‹والشر ليس إليك›› وإلا فالأصل أن الكل مخلوق لله -جلّ وعلا- سواء إن كان خيرًا أو شرًا، مع أن الله – جل وعلى- لا يخلق شرًا محضًا، بل لما يترتب عليه من ابتلاء وامتحان.

فالله – جلّ وعلا- هو الخالق، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)استفهام تقرير ويتضمن شيئًا من الإنكار على من يثبت ذلك، على من ينفي ذلك، كالمعتزلة القدرية الذي سموا مجوس هذه الأمة، حيث أثبتوا مع الله – جلّ وعلا- خالقًا، كما تقول المجوس.

“(يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ) أَيِ الْمَطَرَ. (وَالْأَرْضِ)أَيِ النَّبَاتَ.{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}مِنَ الْأَفْكِ (بِالْفَتْحِ) وَهُوَ الصَّرْفُ؛ يُقَالُ: مَا أَفَكَكَ عَنْ كَذَا؟ أَيْ مَا صَرَفَكَ عَنْهُ؟ وَقِيلَ: مِنَ الْإِفْكِ (بِالْكَسْرِ) وَهُوَ الْكَذِبُ، وَيَرْجِعُ هَذَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الصِّدْقِ وَالصَّوَابِ، أَيْ مِنْ أَيْنَ يَقَعُ لَكُمُ التَّكْذِيبُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ. وَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّهُ نَفَى خَالِقًا غَيْرَ اللَّهِ وَهُمْ يُثْبِتُونَ مَعَهُ خَالِقِينَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .”

لأنهم يرون أن كل إنسان يخلق فعله. نعم، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] .

طالب: سؤال يا شيخ، إذا كانوا يقولون مع الله خالق، من الذي خلق الخالق الذي مع الله سبحانه؟ ما هو جوابهم على هذا؟

 لا، هم يقولون: إن العبد يخلق فعله، العبد يخلق فعله.

يسمى خلق؟

أي عندهم هذا، هذا مذهبهم، هذا الضلال بعينه، نسأل الله العافية .

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ}يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ. {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}يُعَزِّي نَبِيَّهُ وَيُسَلِّيهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلِيَتَأَسَّى بِمَنْ قَبْلَهُ فِي الصَّبْرِ. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}قَرَأَ الْحَسَنُ، وَالْأَعْرَجُ، وَيَعْقُوبُ، وَابْنُ عَامِر،ٍ وَأَبُو حَيْوَةَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَحُمَيْدٌ، وَالْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَيَحْيَى، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفُ (بِفَتْحِ التَّاءِ) عَلَى أَنَّهُ مُسَمَّى الْفَاعِلِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}والْبَاقُونَ (تُرْجَعُ) عَلَى الْفِعْلِ للْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ}هَذَا وَعْظٌ لِلْمُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ بَعْدَ إِيضَاحِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ: إِنَّ الْبَعْثَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ حَقٌّ. {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غُرُورُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنْ يَشْتَغِلَ الْإِنْسَانُ بِنَعِيمِهَا وَلَذَّاتِهَا عَنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ.”

يعني، ينصرف عن ما خلق من أجله، إلى أمور الدنيا، كما هو حال كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، يعني الأصل أنه خلق لتحقيق العبودية، ويخشي من انهماكه في هذا الهدف، أن ينسى ما يعينه على تحقيقه، فاحتاج إلى التذكير، فقيل له:{وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77].

والآن بل منذ أزمان متطاولة، والناس انشغلوا بدنياهم، وغفلوا عن ما خلقوا له، فاحتاجوا أن يقال لهم، أو للواحد منهم، “ولا تنس نصيبك من الآخرة”، أما من الدنيا هم بصدد تحصيله، ويوجد ولله الحمد، من يحقق العبودية، ويوجد من ينصرف للآخرة، والحمد لله، الخير موجود، نعم، لكن الكلام عن الكثرة .

 “حَتَّى يَقُولَ: { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ وَأَبُو حَاتِمٍ: الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ. وَغَرُورٌ جَمْعُ غَرٍّ، وَغَرٌّ مَصْدَرٌ. وَيَكُونُ الْغَرُورُ مَصْدَرًا وَهُوَ بَعِيدٌ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ (غَرَرْتُهُ) مُتَعَدٍّ، وَالْمَصْدَرُ الْمُتَعَدِّي إِنَّمَا هُوَ عَلَى فَعْلٍ؛ نَحْوُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا.”

نعم، الفعل الثلاثي، إذا كان متعديًا، مصدره الفعل؛ “ضرب ضربًا”، فَعْلٌ قِياسُ مَصْدَرِ المعَدَّي

مِنْ ذِي ثَلاثَةٍ كَرَدَّ رَدَا، وهنا متعدي وجعله غرور، مصدر غرور، مصدر غر، الأصل أن يقال: “غر غرًا”، “فعل فعلاً”، مثل “ضرب ضربًا”.  

“إِلَّا فِي أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ قَالُوا: لَزِمْتُهُ لُزُومًا، وَنَهَكَهُ الْمَرَضُ نُهُوكًا.”

فإذا كان هذا منه، من هذا القليل النادر، فلا بأس، وإلا فالأصل أن الفعل الثلاثي المتعدي، مصدره الفعل.

 “فَأَمَّا مَعْنَى الْحَرْفِ فَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: الْغُرُورُ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ الْغَرُورُ (بِفَتْحِ الْغَيْنِ) وَهُوَ الشَّيْطَانُ؛ أَيْ لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِوَسَاوِسِهِ فِي أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ لِفَضْلِكُمْ.”

يعني لمزيٍة عندكم، الخلق بالنسبة إلى الله – جلّ وعلا– سواء، والسنن الإلهية في الأمم السابقة، واللاحقة واحدة لا تتغير ولا تتبدل.

 “وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَأَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ، الْغُرُورُ (بِرَفْعِ الْغَيْنِ) وَهُوَ الْبَاطِلُ؛ أَيْ لَا يَغُرَّنَّكُمُ الْبَاطِلُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْغُرُورُ(بِالضَّمِّ) مَا اغْتُرَّ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغُرُورُ جَمْعَ غَارٍّ؛ مِثْلُ قَاعِدٍ وَقُعُودٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: أَوْ جَمْعَ غَرٍّ، أَوْ يُشَبَّهُ بِقَوْلِهِمْ: نَهَكَهُ الْمَرَضُ نُهُوكًا وَلَزِمَهُ لُزُومًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ مَصْدَرَ(غَرَّهُ) كَاللُّزُومِ وَالنُّهُوكِ.”

يعني على خلاف القاعدة المضطردة في المصدر الثلاثي المتعدي، يكون منها القليل، النادر الذي خرج عن هذه القاعدة، كاللزوم والنهوك.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}أَيْ فَعَادُوهُ وَلَا تُطِيعُوهُ. وَيَدُلُّكُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ إِخْرَاجُهُ أَبَاكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَضَمَانُهُ إِضْلَالَكُمْ فِي قَوْلِهِ:{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ}الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}الْآيَةَ. فَأَخْبَرَنَا -جَلَّ وَعَزَّ- أَنَّ الشَّيْطَانَ لَنَا عَدُوٌّ مُبِينٌ؛ وَاقْتَصَّ عَلَيْنَا قِصَّتَهُ، وَمَا فَعَلَ بِأَبِينَا آدَمَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.”

ومع ذلك، الله- جلّ وعلا- سماه عدو، وأمرنا باتخاذه عدوًا، وكثير من المسلمين، ممن يؤمن بهذا الكتاب، ولا يشك فيه، ولا يرتاب فيه، يتخذه صديقًا، يطيعه إذا أمر، ويوافقه في ما يزين له ويسول له، مع أنه عدو، بل هو العدو الحقيقي.

“وَكَيْفَ انْتَدَبَ لِعَدَاوَتِنَا وَغُرُورِنَا مِنْ قَبْلِ وُجُودِنَا وَبَعْدَهُ، وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ نَتَوَلَّاهُ وَنُطِيعُهُ فِيمَا يُرِيدُ مِنَّا مِمَّا فِيهِ هَلَاكُنَا. وَكَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَقُولُ: يَا كَذَّابُ يَا مُفْتَرٍ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسُبَّ الشَّيْطَانَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَأَنْتَ صَدِيقُهُ فِي السِّرِّ. وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: يَا عَجَبًا لِمَنْ عَصَى الْمُحْسِنَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِإِحْسَانِهِ! وَأَطَاعَ اللَّعِينَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِعَدَاوَتِهِ! وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ) مُجَوَّدًا. وَ(عَدُوٌّ) فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ}يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُعَادٍ، فَيُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ.”

باعتبار أنه اسم فاعل، معادي، من، معادي اسم فعل من المفاعلة، من المعاداة، وإذا كان مصدر، لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.

“وَيَكُونُ بِمَعْنَى النَّسَبِ فَيَكُونُ مُوَحَّدًا بِكُلِ حَالٍ؛ كَمَا قَالَ – جَلَّ وَعَزَّ-: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}.”

يعني هم جماعة، {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}، نعم.                   

 “وَفِي الْمُؤَنَّثِ عَلَى هَذَا أَيْضًا عَدُوٌّ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ إِنَّ الْوَاوَ خَفِيَّةٌ فَجَاءُوا بِالْهَاءِ فَخَطَأٌ، بَلِ الْوَاوُ حَرْفٌ جَلْدٌ. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ}.”

يعني؛ ليست خفية، بل هي ظاهرة، نعم .

“{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ}كَفَّتْ (مَا) (إِنَّ) عَنِ الْعَمَلِ فَوَقَعَ بَعْدَهَا الْفِعْلُ. “حِزْبَهُ” أَيْ أَشْيَاعَهُ.{لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}فَهَذِهِ.”

(الما) الداخلة على إن وأخواتها، تكفها عن العمل، تقول: إنما زيدٌ، وكأنما زيدٌ، نعم.

“{الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}يَكُونُ (الَّذِينَ) بَدَلًا مِنْ (أَصْحَابِ) فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، أَوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنْ حِزْبِهِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَوْ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الْوَاوِ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَقَوْلٌ رَابِعٌ وَهُوَ أَحْسَنُهَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ خَبَرُهُ {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}؛ وَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ حَالَ مُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: {مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}ثُمَّابْتَدَأَ فَقَالَ {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. {والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}في موضع رفع بالابتداء أيضا، وخبره {لهم مغفرة}أي لذنوبهم. {وأجر كبير}وهو الجنة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ}(مَنْ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}فَالْمَعْنَى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ. قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ طَرِيفٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا قَلِيلٌ. وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الزَّجَّاجِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالَّذِي قَالَهُ الْكِسَائِيُّ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ، لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَزَّ- نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ شِدَّةِ الِاغْتِمَامِ بِهِمْ وَالْحُزْنِ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَزَّ-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ).”

قاتل؛ قاتل نفسك، نعم، هذا من حرصه- عليه الصلاة والسلام- على إسلام قومه، ومن أرسل إليهم، لكن الذي عليه بذل السبب، والنتائج بيد الله – جلّ وعلا- وهكذا وظيفة أتباعه من الدعاة والعلماء، عليهم البلاغ، ويحرصون على هداية الناس من باب ‹‹لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم››ومحبة الخير للمسلمين ‹‹لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه››لكن لا يصل إلى حد أن يقتل الإنسان نفسه إذا لم يستجاب له.

النتائج بيد الله- جلّ وعلا- ‹‹والنبي يأتي وليس معه أحد››، كما في الحديث الصحيح، الإنسان إذا بذل ما عليه، بذل السبب الذي أمر به ثبت أجره، ولو لم يستجاب له، ويستوي ذلك، الدعوة والأمر والنهي، والتعليم أيضًا، وغير ذلك، عليه أن يبذل، ‹‹إنما أنا قاسمٌ والله معطي››كما قال النبي – عليه الصلاة والسلام-.  

“قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: قَاتِلٌ. قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ: سَأَلْتُ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَهْلِ الْيَمَنِ: هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا وَأَنَجُعُ طَاعَةً مَا مَعْنَى.”

أبخع، أبخع.

أبخع؟

نعم

“هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا وأَبْخَعَ َ طَاعَةً مَا مَعْنَى أَبْخَعَ؟ فَقَالَ: أَنْصَحُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ مُجَاهِدًا وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ}: مَعْنَاهُ قَاتِلٌ نَفْسَكَ. فَقَالَ: هُوَ مِنْ ذَاكَ بِعَيْنِهِ، كَأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ النُّصْحِ لَهُمْ قَاتِلٌ نَفْسَهُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ؛ مَجَازُهُ: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.وَقِيلَ: الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ؛ الْمَعْنَى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَنْ هُدِيَ، وَيَكُونُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).”

يعني وجود المقابلة بين الهداية والضلال، يدل على أن من زين له سوء عمله له مقابل، له مقابل أيضًا، كالمقابلة في (يضل من يشاء ويهدي من يشاء)، فإذا كان من زين له سوء عمله فله حسنه، هذا من أهل الضلال، فمن هداه الله في قوله: (ويهدي من يشاء)، لابد أن يكون مقدمًا في الآية لتتم المقابلة في الطرفين.

“وَقَرَأَ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ: (فَلَا تُذْهِبْ نَفْسَكَ)، وَفِي {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ؛ قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ. وَيَكُونُ (سُوءُ عَمَلِهِ) مُعَانَدَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. الثَّانِي: أَنَّهُمُ الْخَوَارِجُ؛ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْقَاسِمِ. فَيَكُونُ (سُوءُ عَمَلِهِ) تَحْرِيفَ التَّأْوِيلِ. الثَّالِثُ: الشَّيْطَانُ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ. وَيَكُونُ (سُوءُ عَمَلِهِ الْإِغْوَاءُ). الرَّابِعُ: كُفَّارُ قُرَيْشٍ؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَيَكُونُ (سُوءُ عَمَلِهِ الشِّرْكُ). وَقَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَالْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. {فَرَآهُ حَسَنًا}أَيْ صَوَابًا؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقَيِلَ: جَمِيلًا .

قُلْتُ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}، وَقَوْلِهِ: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}، وَقَوْلِهِ: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.”

يعني وإن كان هذا القول أظهر الأقوال، أنها في مشركي قريش الذين دعاهم النبي -عليه الصلاة والسلام- وحرص على إجابتهم، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب فهي تتناولهم، وتتناول من يجيئوا بعدهم، وتتناول من زيّن له سوء عمله في الأمر العظيم من الشرك وغيره، وما دون ذلك.

(فمن زين له سوء عمله)عمله السيئ، سوء عمله من إضافة الموصوف إلى الصفة، سوء عمله؛ يعني عمله السيئ، ويدخل في ذلك الشرك وما دونه، نعم. من البدع والمعاصي، كلها، نعم.

“وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، وَهَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ، أَيْ لَا يَنْفَعُ تَأَسُّفُكَ عَلَى مُقَامِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ أَضَلَّهُمْ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ قَوْلَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ أَيْ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا تُرِيدُ أَنْ تَهْدِيَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَيْكَ، وَالَّذِي إِلَيْكَ هُوَ التَّبْلِيغُ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: (فَلَا تُذْهِبْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (نَفْسَكَ) نَصْبًا عَلَى الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. (حَسَرَاتٍ) مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ أَيْ فَلَا تَذْهَبُ نَفْسُكَ لِلْحَسَرَاتِ. وَ(عَلَيْهِمْ) صِلَةُ تَذْهَبُ، كَمَا تَقُولُ: هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وَمَاتَ عَلَيْهِ حُزْنًا. وَهُوَ بَيَانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْحَسَرَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا كَأَنْ كلها صَارَتْ (حَسَرَاتٍ) لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ؛ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:

مَشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى
حَتَّى ذَهَبْنَ كَلَاكِلًا وَصُدُورَا

يُرِيدُ: رَجَعْنَ كَلَاكِلًا وَصُدُورًا؛ أَيْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا كَلَاكِلُهَا وَصُدُورُهَا. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:

فَعَلَى إِثْرِهِمْ تَسَّاقَطُ نَفْسِي
حَسَرَاتٍ وَذِكْرُهُمْ لِي سَقَامُ

أَوْ مَصْدَرًا. {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.”

يعني وعليهم صلة، صلة تذهب جار ومجرور متعلق بتذهب، وليس يتعلق بحسرات، على ما بينه المفسر، نعم.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ}مَيِّتٌ وَمَيْتٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا مَيِّتَةٌ وَمَيْتَةٌ؛ هَذَا قَوْلُ الْحُذَّاقِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِدَلَائِلَ قَاطِعَةٍ. وَأَنْشَدَ:

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ
إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ
إِنَّمَا الْمَيْتُ مَنْ يَعِيشُ كَئِيبًا
كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّجَاءِ”

لأنه جاء في البيت بميِّت، وميْت، والمراد واحد، وإن كان بعضهم يفرق بين ميّت، وميْت، لأن ميْت بالتخفيف من مات بالفعل، وميِّت من سيموت،{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[الزمر:30] لكن يرد على هذا وهذا مثل هذا البيت، نعم.

“قَالَ: فَهَلْ تَرَى بَيْنَ مَيِّتٍ وَمَيْتٍ فَرْقًا، وَأَنْشَدَ:

هَيْنُونَ لَيْنُونَ أَيْسَارٌ بَنُو يَسَرٍ
سُوَّاسُ مَكْرُمَةٍ أَبْنَاءُ أَيْسَارِ 

قَالَ: فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَيْنُونَ وَلَيْنُونَ وَاحِدٌ، وَكَذَا مَيِّتٌ وَمَيْتٌ، وَسَيِّدٌ وَسَيْدٌ. قَالَ: فَسُقْنَاهُ بَعْدَ أَنْ.”

أجمعوا على أن هينون ولينون واحد، لكن هل هيْن وليْن، مثل هيّن وليّن؟ العرب تمدح بالمخفف، وتذم بالمشدد، في هيّن هيْن وهيّن، ماذا هنا أراد؟ هونًا، هونًا من هيْن، من هذا المخفف.

أما الهيّن من الهوان، هو الضعف، والضعة هذا ما يذم به، فهناك فرق بين هيْن وهيّن، أما ميِّت وميْت قد يكون الفرق أغلبي لا كلي، وما يرد عليه مما ذكر في البيت ونحوه، هذا يكون ما خرج عن الغالب، نعم. سيّد، وسيْد، هذه مخففة، منها مشددة، وهناك السيد، ابن السيد البطليوسي مثلاً قالوا: “السيْد” بلغة أهل الأندلس، الذئب.

“قَالَ: فَسُقْنَاهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} وَهُوَ مِنْ بَابِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَبِيلُهُ (فَتَسُوقُهُ)، لِأَنَّهُ قَالَ: فَتُثِيرُ سَحَابًا.قَاَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَاءَ فَتُثِيرُ عَلَى الْمُضَارَعَةِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؟ قُلْتُ: لِتَحْكِيَ الْحَالَ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا إِثَارَةُ الرِّيَاحِ السَّحَابَ، وَتَسْتَحْضِرُ تِلْكَ الصُّورَةَ الْبَدِيعَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْقُدْرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَخُصُوصِيَّةٍ بِحَالٍ تُسْتَغْرَبُ، أَوْ تُهِمُّ الْمُخَاطَبَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا : 

بِأَنِّي قَدْ لَقِيتُ الْغُولَ تَهْوِي
بِسَهْبٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانِ
فَأَضْرِبُهَا بِلَا دَهَشٍ فَخَرَّتْ
صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِ

لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُصَوِّرَ لِقَوْمِهِ الْحَالَةَ الَّتِي تَشَجَّعَ فِيهَا بِزَعْمِهِ عَلَى ضَرْبِ الْغُولِ، كَأَنَّهُ يُبَصِّرُهُمْ إِيَّاهَا، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى كُنْهِهَا مُشَاهَدَةً لِلتَّعَجُّبِ مِنْ جُرْأَتِهِ عَلَى كُلِّ هَوْلٍ، وَثَبَاتِهِ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَكَذَلِكَ سَوْقُ السَّحَابِ إِلَى الْبَلَدِ الْمَيِّتِ.”

لأنه يقول لقيت، لقيت الغول، هذا فعل ماضي، مقتضى ذلك أن يقول فضربتها، لكنه يريد أن تستمر هذه الصورة في أذهانهم، لأن المضارع للحال، والاستقبال، فيستصحبون هذه الصورة في الحال والاستقبال، لا يريد أن تكون فعل ماضي وانتهى، وإنما يريد أن يصور هذه الصورة أنها مستمرة، وهذا للمبالغة، يقول: فأضربها بلا دهش فخرت.

والأصل أن يقول: ضربتها بلا دهش فخرت، لكنه يريد أن يستصحبوا هذا الفعل وكأنه مازال يفعل مثل هذا، في الحال والاستقبال، فعبر بذلك بدلاً من الماضي، بالمضارع.

“وَكَذَلِكَ سَوْقُ السَّحَابِ إِلَى الْبَلَدِ الْمَيِّتِ لَمَّا كَانَا مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ قِيلَ: (فَسُقْنَا) وَ (أَحْيَيْنَا) مَعْدُولًا بِهِمَا عَنْ لَفْظَةِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَدْخَلُ فِي الِاخْتِصَاصِ وَأَدَلُّ عَلَيْهِ.”

وإلا فالأصل (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا)الله.

فساقه.

نعم، فساقه إلى بلدٍ ميْت، فأحييا به، لكنه يريد أن يذكر بأنه – جلّ وعلا- هو الذي ساقه، وأنه هو الذي أحيا به الأرض، فعدل بالكلام من الغيبة إلى التكلم.  

“وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (الرِّيَاحَ). وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الرِّيحَ) تَوْحِيدًا. وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. {كَذَلِكَ النُّشُورُ}”.

يعني الفرق بين الريح مفردة، والرياح مجموعة، أن الرياح محمودة، كثرة الرياح يرد بعضها بعضًا، هذه محمودة، أما الريح مفردة، فهي في الغالب أنها مذمومة.

وجاء في الدعاء ‹‹اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا››، إلا في موضع واحد؛ يعني حينما تسوق السفن، في البحار، فالمطلوب أن تكون مفردة، لا مجموعة، لأنها لو كانت مجموعة، رياح متعارضة ومتضادة، واحدة من اليمين، وواحدة من الشمال، واحدة من الأمام، وواحدة من الخلف، لاضطربت هذه السفن، لكن لما تكون ريح واحدة، تسوقها من الخلف إلى الأمام، صارت…

محمودة .

أنفع، نعم .

{كَذَلِكَ النُّشُورُ}؛ أَيْ كَذَلِكَ تَحْيَوْنَ بَعْدَمَا.”

{إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ}[الشورى:33] ، نعم.

{كَذَلِكَ النُّشُورُ}؛ أَيْ كَذَلِكَ تَحْيَوْنَ بَعْدَمَا مُتُّمْ؛ مِنْ نَشْرِ الْإِنْسَانِ نُشُورًا. فَالْكَافُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ أَيْ مِثْلُ إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ نَشْرُ الْأَمْوَاتِ. وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ:قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: ‹‹أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي أَهْلِكَ مُمْحِلًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟››قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ‹‹فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَتِلْكَ آيَتُهُ فِي خَلْقِهِ››وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي ( الْأَعْرَافِ ) وَغَيْرِهَا.”

أخرجه هنا ولا ماذا؟

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}التَّقْدِيرُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ عِلْمَ الْعِزَّةِ.  وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَيْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ عِلْمَ الْعِزَّةِ الَّتِي لَا ذِلَّةَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْعِزَّةَ إِذَا كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى ذِلَّةٍ فَإِنَّمَا هِيَ تَعَرُضٌ لِلذِّلَّةِ، وَالْعِزَّةُ الَّتِي لَا ذُلَّ مَعَهَا لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.”

ولا يمنع، ولا يمنع أن يكون المراد بالعزة العز، العز، وإن كان المراد به اللائق بالمخلوق، ويريده الإنسان لنفسه، يريد العزة لنفسه، فهذه العزة بيد الله – جلّ وعلا- هي لله جميعًا، فاطلبها منه، وابذل الأسباب التي تجعلك مستحقًا لها، فتوهب منها من الله- جلّ وعلا- ما تستحقه، إذا كانت بيده، بيد الله – جل وعلى- هذه العزة، المطلوبة للمخلوق؛ من قبل المخلوق، فكيف تطلب من غيره؟ كيف تطلب من غيرة؟ من طلب العزة من غير الله أذله الله- جلّ وعلا- من طلبها من الله صادقًا، مستعملاً الوسائل المقربة إلى الله- جلّ وعلا- المرضية له، أعطاه من هذا العز.

“(جَمِيعًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ. وَقَدَّرَ الزَّجَّاجُ مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعِبَادَتِهِ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- الْعِزَّةَ – وَالْعِزَّةُ لَهُ سُبْحَانَهُ – فَإِنَّ اللَّهَ-عَزَّ وَجَلَّ- يُعِزُّهُ فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا. قُلْتُ: وَهَذَا أَحْسَنُ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَلَى مَا يَأْتِي {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}ظَاهِرُ هَذَا إِيئَاسُ السَّامِعِينَ مِنْ عِزَّتِهِ، وَتَعْرِيفِهِمْ أَنَّ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ لَا مَطْمَعَ فِيهِ لِغَيْرِهِ؛ فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ عِنْدَ الْعَالِمِينَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ الْحَقِّ فِي سُورَةِ يُونُسَ:{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ}. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُنَبِّهَ ذَوِي الْأَقْدَارِ وَالْهِمَمِ مِنْ أَيْنَ تُنَالُ الْعِزَّةُ وَمِنْ أَيْنَ تُسْتَحَقُّ؛ فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَنْ طَلَبَ الْعِزَّةَ مِنَ اللَّهِ وَصَدَقَهُ فِي طَلَبِهَا بِافْتِقَارٍ وَذُلٍّ، وَسُكُونٍ وَخُضُوعٍ، وَجَدَهَا عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَيْرَ مَمْنُوعَةٍ وَلَا مَحْجُوبَةٍ عَنْهُ؛ قَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ‹‹مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ››. وَمَنْ طَلَبَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَكَلَهُ إِلَى مَنْ طَلَبَهَا عِنْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمًا طَلَبُوا الْعِزَّةَ عِنْدَ مَنْ سِوَاهُ فَقَالَ:{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}. فَأَنْبَأَكَ صَرِيحًا لَا إِشْكَالَ فِيهِ أَنَّ الْعِزَّةَ لَهُ يُعِزُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ. وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}: ‹‹مَنْ أَرَادَ عِزَّ الدَّارَيْنِ فَلْيُطِعِ الْعَزِيز››. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:

وَإِذَا تَذَلَّلَتِ الرِّقَابُ تَوَاضُعًا
مِنَّا إِلَيْكَ فَعِزُّهَا فِي ذُلِّهَا

فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ لِيَنَالَ الْفَوْزَ الْأَكْبَرَ، وَيَدْخُلَ دَارَ الْعِزَّةِ- وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ- فَلْيَقْصِدْ بِالْعِزَّةِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَالِاعْتِزَازَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَزَّ بِالْعَبْدِ أَذَلَّهُ اللَّهُ، وَمَنِ اعْتَزَّ بِاللَّهِ أَعَزَّهُ اللَّهُ.”

“قَوْلُهُ تَعَالَى”

هذا الحديث مخرّج؟

طالب:………

نعم، هو لا يثبت مرفوعا، لكن معناه؟

صحيح .

صحيح، معناه صحيح.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}وَتَمَّ الْكَلَامُ. ثُمَّ تَبْتَدِئُ {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}عَلَى مَعْنَى: يَرْفَعُهُ اللَّهُ، أَوْ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ؛ فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَالصُّعُودُ هُوَ الْحَرَكَةُ إِلَى فَوْقُ، وَهُوَ الْعُرُوجُ أَيْضًا. وَلَا يُتَصَوَّرُ…”

يعني الخلاف في مرجع الضمير في “يرفعه”، من الذي يرفع العمل الصالح؟ هل الذي يرفعه الكلم الطيب؟ أو الذي يرفعه الله – جلّ وعلا-؟ ولكن الذي يرفع، والذي يضع، والذي يخفض، والذي…هو الله- جلّ وعلا-حقيقًة، قد يكون غيره لسبب يجريه الله-جلّ وعلا- ، لكن الرافع الحقيقي هو الله- جلّ وعلا-.

“وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ عَرَضٌ، لَكِنْ ضُرِبَ صُعُودُهُ مَثَلًا لِقَبُولِهِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الثَّوَابِ فَوْقُ، وَمَوْضِعَ الْعَذَابِ أَسْفَلُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ ارْتَفَعَ الْأَمْرُ إِلَى الْقَاضِي أَيْ عَلِمُهُ؛ فَهُوَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَخُصَّ الْكَلَامُ وَالطِّبُّ بِالذِّكْرِ لِبَيَانِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ.”

كلام المؤلف، انفرار من إثبات لصفة العلو لله – جلّ وعلا- لأنه يقول الصعود، هو الحركة إلى فوق، وهو العروج، ولا يتصور ذلك بالكلام؛ لأنه عرض؛ فالله-جلّ وعلا- عال على خلقِه، مستوٍ على عرشِه، بائٌن من خلقه، إليه يصعد الكلام الطيب، تعرج الملائكة والروح، المقصود أن الأدلة على العلو أكثر من تحصر، لا يمكن حصرها.

وابن القيم – رحمه الله- استوفى كثيرًا منها في نونيته وفي الصواعق وغيرها، والمقصود أن هؤلاء يرون أنه ليس في جهة من الجهات، ينفون عنه الجهة، ولا شك أن مثل هذا مخالف لما جاء عن الله وعن رسوله وعن معتقد سلف هذه الأمة، ونفي الجهة، لفٌظ مجمل، إن يريد به، جهة العلو، فهذا كلام ليس بصحيح، مصادم لنصوص الكتاب والسنة، وإن قصد به نفي الجهة أن الجهة تحيط به، وتقله، وتحصره هذا كلام صحيح، نعم.   

 “وَقَوْلُهُ: (إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى اللَّهِ (يَصْعَدُ). وَقِيلَ: يَصْعَدُ إِلَى سَمَائِهِ وَالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَجْرِي فِيهِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ حُكْمٌ. وَقِيلَ: أَيْ يُحْمَلُ الْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ طَاعَاتُ الْعَبْدِ إِلَى السَّمَاءِ. وَ(الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)هُوَ التَّوْحِيدُ الصَّادِرُ عَنْ عَقِيدَةٍ طَيِّبَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ التَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ، وَذِكْرُ اللَّهِ وَنَحْوُهُ. وَأَنْشَدُوا:

لَا تَرْضَ مِنْ رَجُلٍ حَلَاوَةَ قَوْلِهِ
                                                        
  
حَتَّى يُزَيِّنَ مَا يَقُولُ فَعَالُ
                                                        
  
فَإِذَا وَزَنْتَ فَعَالَهُ بِمَقَالِهِ
 
فَتَوَازَنَا فَإِخَاءُ ذَاكَ جَمَالُ  

وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، كَثَرِيدٍ بِلَا دَسَمٍ، وَسَحَابٍ بِلَا مَطَرٍ، وَقَوْسٍ بِلَا وَتَرٍ. وَفِيهِ قِيلَ:

لَا يَكُونُ الْمَقَالُ إِلَّا بِفِعْلٍ
  
كُلُّ قَوْلٍ بِلَا فَعَالٍ هَبَاء

  
إِنَّ قَوْلًا بِلَا فَعَالٍ جَمِيلٍ
وَنِكَاحًا بِلَا وَلِيٍّ سَوَاءُ”

 هذا جاء على مذهب الجمهور الذين يشترطون الولي، أما من لا يشترط الولي في النكاح لا تتم   المطابقة.

“وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ (يُصْعِدُ) بِضَمِّ الْيَاءِ. وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ (الْكَلِمُ) جَمْعُ كَلِمَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (الْكَلَامُ). قُلْتُ: فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْكَلِمِ وَبِالْعَكْسِ؛ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ: أَقْسَامُ الْكَلَامِ ثَلَاثَةٌ؛ فَوَضَعَ الْكَلَامَ مَوْضِعَ الْكَلِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.”

الكلام والكلم معنى واحد، جمع كلمة.

 كلامنا لفظٌ…

مفيدٌ…

مفيدٌ كاستقم، اسمٌ…

وفعلٌ ثم حرفٌ…

ثم حرفٌ الكلم، فالكلام هو الكلم.

“{وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا: الْمَعْنَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ. وَفِي الْحَدِيثِ ‹‹لَا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلًا وَعَمَلًا إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً إِلَّا بِإِصَابَةِ السُّنَّةِ››.”

يعني النية الصالحة وحدها لا تكفي، بل لابد من الإصابة، لابد من المتابعة، فالنية الخالصة لله – جلّ وعلا- شرط القبول، كما أن الشرط الثاني، المتابعة، ووقوع العمل موافقًا لما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-.

صحيح الحديث؟

ماذا؟

الحديث؟

الحديث ماذا يقول؟

طالب:……

نعم، الاشتراط مجمع عليه، اشتراط الإخلاص والمتابعة مجمع عليه، وفي كلام الفضيل بن عياض، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[هود:7] قال: أخلصه وأصوبه، أخلصه وأصوبه، وهذا هو معروف عن سلف هذه الأمة، وأما كونه مرفوع، كما قال: لا أصل له.

“قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ وَقَالَ كَلَامًا طَيِّبًا وَأَدَّى فَرَائِضَهُ، ارْتَفَعَ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلِهِ وَإِذَا قَالَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رُدَّ قَوْلُهُ عَلَى عَمَلِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قَوْلٌ يَرُدُّهُ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. 

وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَاصِيَ التَّارِكَ لِلْفَرَائِضِ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ وَقَالَ كَلَامًا طَيِّبًا فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ لَهُ مُتَقَبَّلٌ مِنْهُ، وَلَهُ حَسَنَاتُهُ وَعَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَقَبَّلُ مِنْ كُلِّ مَنِ اتَّقَى الشِّرْكَ.”

كأنه يريد أن معنى قوله- جلّ وعلا -:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27]، الذين اتقوا الشرك، وهذا بناءً على أن القبول المذكور يراد به الصحة، كلام صحيح، ولو كان من غير تقي، لكن الثواب المرتب عليه لا يكون إلا للمتقي.

 “وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَمَلَ هُوَ الرَّافِعُ لِلْكَلِمِ، بِأَنْ يُتَأَوَّلَ أَنَّهُ يَزِيدُهُ فِي رَفْعِهِ وَحُسْنِ مَوْقِعِهِ إِذَا تَعَاضَدَ مَعَهُ. كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْأَعْمَالِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِذَا تَخَلَّلَ أَعْمَالَهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَتِ الْأَعْمَالُ أَشْرَفَ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ:{وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}مَوْعِظَةً وَتَذْكِرَةً وَحَضًّا عَلَى الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الَّتِي هِيَ أَعْمَالٌ فِي نُفُوسِهَا؛ كَالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ فَمَقْبُولَةٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ كَلَامَ الْمَرْءِ بِذِكْرِ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ لَمْ يَنْفَعْ؛ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَهُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِ. وَتَحْقِيقُ هَذَا: أَنَّ الْعَمَلَ إِذَا وَقَعَ شَرْطًا فِي قَبُولِ الْقَوْلِ أَوْ مُرْتَبِطًا، فَإِنَّهُ لَا قَبُولَ لَهُ إِلَّا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ فَإِنَّ كَلِمَهُ الطَّيِّبَ يُكْتَبُ لَهُ، وَعَمَلَهُ السَّيِّئَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ، وَتَقَعُ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يَحْكُمُ اللَّهُ بِالْفَوْزِ وَالرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ.”

نعم، هذا على مذهب أهل السنة أن الحسنات تكتب، والسيئات تكتب، هذه لها كِفة، وهذه لها كِفة، وهذا لا علاقة له بهذا، وهذا لا علاقة له بهذا، إذا انفكت الجهة، خلافًا لمذهب المعتزلة، والخوارج الأحباطية، الذين يرون أنه إذا عمل عملاً سيئًا أحبط عمله السابق من الأعمال الصالحة، هذا معروف عند المبتدعة.

وأما أهل السنة، فحسناته له، مضبوطة، محصاة، وسيئاته عليه، والموازنة تكون فيما بعد، عند الحساب.

“قُلْتُ: مَا قَالهَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَحْقِيقٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْقَوْلِ الطَّيِّبِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ نَظَرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ صَعِدَا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ مُخَالِفًا وُقِفَ قَوْلُهُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ عَمَلِهِ. فَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ إِلَى اللَّهِ. وَالْكِنَايَةُ فِي(يَرْفَعُهُ)تَرْجِعُ إِلَى الْكَلِمِ الطَّيِّبِ.”

الكناية هنا الضمير.

“وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكِ. وَعَلَى أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ هُوَ التَّوْحِيدُ، فَهُوَ الرَّافِعُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ. أَيْ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ؛ فَالْكِنَايَةُ تَعُودُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ الْقُرْآنُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: تَعُودُ عَلَى اللَّهِ -جَلَّ وَعَزَّ-؛ أَيْ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُهُ اللَّهُ عَلَى الْكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ تَحْقِيقُ الْكَلِمِ، وَالْعَامِلُ أَكْثَرُ تَعَبًا مِنَ الْقَائِلِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّافِعُ الْخَافِضُ. وَالثَّانِي وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ، وَلَكِنَّهُ سَائِغٌ جَائِزٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَاهَا وَأَصَحُّهَا لِعُلُوِّ مَنْ قَالَ بِهِ، وَأَنَّهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقُرَّاءَ عَلَى رَفْعِ الْعَمَلِ. وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ، أَوِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، لَكَانَ الِاخْتِيَارُ نصب العمل.”

نعم لكان الاختيار.

نصب العمل.

نصب نصب.

 “لَكَانَ الِاخْتِيَارُ نصْبُ الْعَمَلِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَهُ مَنْصُوبًا إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَهُ أُنَاسٌ (وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُهُ اللَّهُ). وَقِيلَ: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الْعِزَّةَ وَعَلِمَ أَنَّهَا تُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.

 الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْكَلْبَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِعُمُومٍ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا، فَلَا يَقْطَعُهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا بِثُبُوتِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ مِنْ مِثْلِ مَا انْعَقَدَتْ بِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ.

وَقَدْ تَعَلَّقَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ‹‹يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ›› فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ:‹‹إِنَّ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ››خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَدْ جَاءَ مَا يُعَارِضُ هَذَا، وَهُوَ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ.”

هذا لا يعارض الحديث السابق، الحديث السابق من قوله- عليه الصلاة والسلام- وهذا من استنباط عائشة- رضي الله عنها- كانت تستنكر أن تسوى المرأة بالكلب والحمار، على كل حال، لا يمكن أن يعارض قول النبي – صلى الله عليه وسلم- بقول غيره كائنًا من كان.

وأما استدلالها بكونها- رضي الله عنها- تصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة، إذا سجد غمزها، فكفت رجلها، فالقار ليس كالمار عند أهل العلم، فالذي يقطع المرور، لا المكث والبقاء، فلا تعارض بين الحديثين.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ}ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي (كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ): حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ فِي قَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ الرِّيَاءِ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا، قَاَلَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الشِّرْكَ، فَتَكُونُ السَّيِّئَاتُ مَفْعُولَةً. وَيُقَالُ: بَارَ يَبُورُ إِذَا هَلَكَ وَبَطَلَ. وَبَارَتِ السُّوقُ أَيْ كَسَدَتْ، وَمِنْهُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ. وَقَوْلُهُ: (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا)أَيْ هَلْكَى. وَالْمَكْرُ: مَا عُمِلَ عَلَى سَبِيلِ احْتِيَالٍ وَخَدِيعَةٍ. وَقَدْ مَضَى فِي (سَبَأٍ).”

أي مضى في مكر الليل والنهار.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}قَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: خَلَقَ أَصْلَكُمْ مِنْ تُرَابٍ. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ قَالَ: أَيِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْ ظُهُورِ آبَائِكُمْ. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}قَالَ: أَيْ زَوَّجَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، فَالذَّكَرُ زَوْجُ الْأُنْثَى لِيُتِمَّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا.”

يعني؛ بقاء النوع الإنساني، لا يتم إلا بالزواج، والمزاوجة.

“{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ}أَيْ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا فَيَتَزَوَّجُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى فَيَتَنَاسَلَانِ بِعِلْمِ اللَّهِ، فَلَا يَكُونُ حَمْلٌ وَلَا وَضْعٌ إِلَّا وَاللَّهُ عَالِمٌ بِهِ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ تَدْبِيرِهِ. {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}سَمَّاهُ مُعَمَّرًا بِمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر}إِلَّا كُتِبَ عُمُرُهُ، كَمْ هُوَ سَنَةً كَمْ هُوَ شَهْرًا كَمْ هُوَ يَوْمًا كَمْ هُوَ سَاعَةً ثُمَّ يُكْتَبُ فِي كِتَابٍ آخَرَ: نَقَصَ مِنْ عُمُرِهِ يَوْمٌ، نَقَصَ شَهْرٌ، نَقَصَ سَنَةٌ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أَجَلَهُ. وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا، قَالَ: فَمَا مَضَى مِنْ أَجَلِهِ فَهُوَ النُّقْصَانُ، وَمَا يُسْتَقْبَلُ فَهُوَ الَّذِي يُعَمَّرُهُ؛ فَالْهَاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُعَمَّرِ. وَعَنْ سَعِيدٍ أَيْضًا: يُكْتَبُ عُمُرُهُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، ثُمَّ يُكْتَبُ فِي أَسْفَلِ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمَانِ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِ. وَعَنْ قَتَادَةَ: الْمُعَمَّرُ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالْمَنْقُوصُ مِنْ عُمُرِهِ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً.”

جاء في الحديث الصحيح ‹‹أعذر الله لمن بلغه الستين››.

“وَمَذْهَبُ الْفَرَّاءِ فِي مَعْنَى (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ)أَيْ مَا يَكُونُ مِنْ عُمُرِهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ بِمَعْنَى مُعَمَّرٍ.”

يعني تقسيم هذا، بعض الناس يعمر، وبعض الناس ينقص من عمره؛ لا أنه شخٌص واحد؛ لا أنه شخص يعمر وينقص من عمره، إنما هما اثنان، شخص يعمر، وشخص ينقص من عمره.

“(وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) بِمَعْنَى مُعَمَّرٍ آخَرَ، أَيْ وَلَا يُنْقَصُ الْآخَرُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ. فَالْكِنَايَةُ فِي عُمُرِهِ تَرْجِعُ إِلَى آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ. وَكَنَّى عَنْهُ بِالْهَاءِ كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ، أَيْ نِصْفُ آخَرَ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عُمُرَ الْإِنْسَانِ مِائَةَ سَنَةٍ إِنْ أَطَاعَ ، وَتِسْعِينَ إِنْ عَصَى، فَأَيُّهُمَا.”

لأنه لو قال: عندي درهم ونصف، هو نصف الدرهم الذي عنده، صار عنده الآن درهم واحد؛ الآن عنده درهم ونصف هذا الدرهم ونصفه الثاني أيضًا عنده، هو الدرهم الأول، لكنه حينما يقول: عندي درهم ونصفه، يقصد بذلك نصف درهم آخر؛ يعني عندي درهم ونصف.

“فَأَيُّهُمَا بَلَغْ فَهُوَ فِي كِتَابٍ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ -الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ‹‹مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ››أَيْ أَنَّهُ يُكْتَبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ: عُمُرُ فُلَانٍ كَذَا سَنَةٍ، فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِيدَ فِي عُمُرِهِ كَذَا سَنَةٍ. فَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَنَّهُ سَيَصِلُ رَحِمَهُ فَمَنِ اطَّلَعَ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ظَنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ}وَالْكِنَايَةُ عَلَى هَذَا تَرْجِعُ إِلَى الْعُمُرِ.

وَقِيلَ : الْمَعْنَى ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ )أَيْ هَرِمٍ ، وَلَا يُنْقَصُ آخَرُ.”

الكلام السابق في معنى ‹‹من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره››؛ بناءً على أن الزيادة حقيقية؛ يعني يكتب له في أول الأمر وهو في بطن أمه  ستون سنة، ثم يصل رحمه فيزاد عشر، أو عشرين، على أنها زيادة حقيقية، وهذا بالنسبة لما في علم الملك، وأما ما في علم الله- جلّ وعلا – فإنه لا يتغير، ما في علم الله لا يتغير، الله- جلّ وعلا- يعلم الأشياء على حقيقتها، وأما علم المخلوق هو الذي يتغير، يتجدد له ما يزيده وما ينقصه، بخلاف علم الخالق.

ومن أهل العلم من يرى الزيادة والنقصان، إنما هي معنوية، يعني زيادة بركة، فينتج في عمره الأربعين، أو الخمسين، أو الستين، ما ينتجه غيره في مائة سنة، أو أكثر، وهذا ظاهر.

من قرأ في سيّر أهل العلم، وخيار هذه الأمة، وجد هذه البركة في أعمارهم، وإن كانت قصيرة، يعني؛ عمر بن عبد العزيز عمره أربعون سنة، أربعون سنة عمره، والبركة في هذه الأربعين، يعني بحيث تعادل ما فعله غيره، مائة، بل مئات السنين، ومن أهل العلم من عاش الثلاثين، ومن عاش الأربعين، ومن عاش الخمسين، وإذا حسب إنتاجه العلمي وطلابه وأثره في الأمة، وجد ذلك يعادل قرون، والله المستعان.

 “وَقِيلَ: الْمَعْنَى (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ)أَيْ هَرِمٍ، وَلَا يُنْقَصُ آخَرُ مِنْ عُمُرِ الْهَرِمِ (إِلَّا فِي كِتَابٍ)؛ أَيْ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الضَّحَّاكِ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُهَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَالْهَاءُ عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُعَمَّرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ الْمُعَمَّرِ. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير}أَيْ كِتَابَةَ الْأَعْمَالِ وَالْآجَالِ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ عَلَيْهِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ يُنْقَصُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ يَعْقُوبُ ( يَنْقُصُ )بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ، أَيْ لَا يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ شَيْءٌ. يُقَالُ، نَقَصَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وَنَقَصَهُ غَيْرُهُ، وَزَادَ بِنَفْسِهِ وَزَادَهُ غَيْرُهُ، مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَالزُّهْرِيُّ (مِنْ عُمُرِهِ)بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ.”

عمْره عمْره، بالسكون بسكون الميم.

“(مِنْ عْمُرِهِ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَضَمَّهَا الْبَاقُونَ. وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ السُّحْقِ وَالسُّحُقِ.”

الأصل، الأصل التحريك، ثم تسكن تخفيفًا، نعم.

“وَ(يَسِير) أَيْ إِحْصَاءُ طَوِيلِ الْأَعْمَارِ وَقَصِيرِهَا لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا يَعْزُبُ. وَالْفِعْلُ مِنْهُ: يَسُرْ.”

يَسُرَ، يَسُرَ.

“وَالْفِعْلُ مِنْهُ: يَسُرَ، وَلَوْ سَمَّيْتَ بِهِ إِنْسَانًا انْصَرَفَ؛ لِأَنَّهُ فَعِيلٌ.”

طالب:……..

على الخلاف، هل هو العمر حقيقي بالسنين، يعني تقصد في حديث الصلة؟ الخلاف معروف، الأصل الحقيقة، ‹‹ينسأ له في أثره››يعني يمد له في أجله، يمد له في أجله بدلاً من أن يعيش ستين، يعيش ثمانين، حقيقة، زيادة حقيقية رأوا هذا، وهذا جمع من أهل العلم، ويكون التغير فيما في علم الملك، قال له: اكتب أجله، كتب ستين، أكتب أجله كم؟ ستين، وفي علم الله -جلّ وعلا-  أن هذا يفعل ويبذل هذا السبب الذي هو سبب لزيادة العمر، فيزيده عشرين سنة، ومن أهل العلم وقول جمع غفير، من أهل العلم: أن الزيادة {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}[يونس:49] ، إذا حل الأجل ما في(زيادة).

ومنهم من يقول: أنه قابل للزيادة مادام ما جاء الأجل، قبل مجيء الأجل، أما إذا حضر الأجل، فلا زيادة، أما قبل حضوره فهو يقبل الزيادة، تبعًا لبذل الأسباب التي تقتضي هذه الزيادة كالصلة، ومنهم من يقول: أبدًا لا يزيد ولا ينقص، قيل له: اكتب أجله، خلاص ما يزيد ولا ينقص، ستين ستين، لكن هذه الستين يفُعل فيها ما يُفعل في مائة سنة، تكون بالبركة، كما أن بأيد الناس الآن الإنسان قد يكسب في اليوم ألف ريال، ويخرج بها إلى السوق ما تصنع معه شيء، ويخرج الآخر بمائة ريال، ويقتني بها ما ينفعه وينفع ولده معه.

طالب:……

لا، من كتب عليه الشقاء فخلاص، كتبت له السعادة انتهى، نعم، نعم في ما يظهر للمخلوق ويبدو للمخلوق قد يتغير؛ لأن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم، في النهاية يكتب له بغيره، وقد يعمل بعمل أهل النار، ثم يكتب له في النهاية يعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، هذا بالنسبة لعلم المخلوق، أما ما في علم الله- جلّ وعلا- فلا يتغير، الشقي شقي، والسعيد سعيد.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ}فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فُرَاتٌ حُلْوٌ، وَأُجَاجٌ مُرٌّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ: (هَذَا مَلِحَ أُجَاجٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَأَمَّا الْمَالِحُ فَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْمِلْحُ. وَقَرَأَ عِيسَى وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ (سَيِّغٌ شَرَابُهُ) مِثْلَ سَيِّدٍ وَمَيِّتٍ. {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا}لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ مَضَى فِي (النَّحْلِ) الْكَلَامُ فِيهِ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى.”

من كٍل، من كلٍ التنوين هنا تنوين عوض، عوض عن شيء محذوف، كلٍ منهما؛ يعني من كل البحرين، العذب والملح، تأكل لحمًا طريًا، معروف السمك وغيره، حيتان.

“الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الْحِلْيَةَ إِنَّمَا تُسْتَخْرَجُ مِنَ الْمِلْحِ ، فَقِيلَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِطَانِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا تُسْتَخْرَجُ الْأَصْدَافُ الَّتِي فِيهَا الْحِلْيَةُ مِنَ الدُّرِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ نَحْوِ الْعُيُونِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِي الْبَحْرِ عُيُونًا عَذْبَةً، وَبَيْنَهُمَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ عِنْدَ التَّمَازُجِ. وَقِيلَ: مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَوْلًا رَابِعًا، قَالَ: إِنَّمَا تُسْتَخْرَجُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمِلْحِ خَاصَّةً. قَاَلَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحْسَنُهَا وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُ، لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِطَانِ، وَلَكِنْ جَمْعًا، ثَمَّ أَخْبَرَ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ-جَلَّ وَعَزَّ-: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.} وَكَمَا تَقُولُ: لَوْ رَأَيْتَ الْحَسَنَ.”

(لتسكنوا فيه)هذا من اللف والنشر المرتب، (جعل لكم الليل والنهار)، الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا من فضله، مع أنه لا يمنع أن يبتغي الفضل بالليل، ويسكن في النهار، لكن هذا الأصل، الأصل أن الليل سكن والنهار معاش.

“وَكَمَا تَقُولُ: لَوْ رَأَيْتَ الْحَسَنَ وَالْحَجَّاجَ لَرَأَيْتَ خَيْرًا وَشَرًّا.”

يعني الحسن خير، والحجاج شر.

 “وَكَمَا تَقُولُ: لَوْ رَأَيْتَ الْأَصْمَعِي وَسِيبَوَيْهِ لَمَلَأْتَ يَدَكَ لُغَةً وَنَحْوًا.”

 كل واحد منهم وما يخصه.

“فَقَدْ عُرِفَ مَعْنَى هَذَا، وَهُوَ كَلَامٌ فَصِيحٌ كَثِيرٌ، فَكَذَا: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} فَاجْتَمَعَا فِي الْأَوَّلِ وَانْفَرَدَ الْمِلْحُ بِالثَّانِي. الثَّالِثَةُ: وَفِي قَوْلِه: (تَلْبَسُونَهَا)، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِبَاسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ؛ فَالْخَاتَمُ يُجْعَلُ فِي الْإِصْبَعِ، وَالسِّوَارُ فِي الذِّرَاعِ، وَالْقِلَادَةُ فِي الْعُنُقِ، وَالْخَلْخَالُ فِي الرِّجْلِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ: افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ؟ قَالَ نَعَمْ. وَفِي، الصِّحَاحِ عَنْ أَنَسٍ ‹‹فَقُمْتُ عَلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ.››الْحَدِيثَ.”

لبس كل شيء بحسبه، لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير بالجلوس عليه، ولبس القلم بالكتابة به، ولبس كذا، إلى أخره.

“…الْحَدِيثَ.

الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِر}قَالَ النَّحَّاسُ: أَيْ مَاءَ الْمِلْحِ خَاصَّةً، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ فِيهِمَا. وَقَدْ مَخَرَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ إِذَا شَقَّتِ الْمَاءَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (النَّحْلِ).

{لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}قَالَ مُجَاهِدٌ: التِّجَارَةُ فِي الْفُلْكِ إِلَى الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ: فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي (الْبَقَرَةِ). وَقِيلَ: مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ حِلْيَتِهِ وَيُصَادُ مِنْ حِيتَانِهِ. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}عَلَى مَا آتَاكُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وَقِيلَ: عَلَى مَا أَنْجَاكُمْ مِنْ هَوْلِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}تَقَدَّمَ فِي (آلِ عِمْرَانَ) وَغَيْرِهَا. {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}تَقَدَّمَ فِي (لُقْمَانَ) بَيَانُهُ. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ}؛ أَيْ هَذَا الَّذِي مِنْ صُنْعِهِ مَا تَقَرَّرَ هُوَ الْخَالِقُ الْمُدَبِّرُ، وَالْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ؛ فَهُوَ الَّذِي يُعْبَدُ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يَعْنِي الْأَصْنَامَ. مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى خَلْقِهِ. وَالْقِطْمِيرُ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالنَّوَاةِ؛ قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شِقُّ النَّوَاةِ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُبَرِّدِ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا: الْقِطْمِيرُ الْقِمْعُ الَّذِي عَلَى رَأْسِ النَّوَاةِ. قال الْجَوْهَرِيُّ: وَيُقَالُ: هِيَ النُّكْتَةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ، تَنْبُتُ مِنْهَا النَّخْلَةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}أَيْ إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِهِمْ فِي النَّوَائِبِ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ؛ لِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ. {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ}إِذْ لَيْسَ كُلُّ سَامِعٍ نَاطِقًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى لَوْ سَمِعُوا لَمْ يَنْفَعُوكُمْ. وَقِيلَ: أَيْ لَوْ جَعَلْنَا لَهُمْ عُقُولًا وَحَيَاةً فَسَمِعُوا دُعَاءَكُمْ لَكَانُوا أَطْوَعَ لِلَّهِ مِنْكُمْ، وَلَمَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ عَلَى الْكُفْرِ. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}أَيْ يَجْحَدُونَ أَنَّكُمْ عَبَدْتُمُوهُمْ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْكُمْ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ هَذَا إِلَى الْمَعْبُودِينَ مِمَّا يَعْقِلُ؛ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالشَّيَاطِينِ أَيْ يَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلْتُمُوهُ حَقًّا، وَأَنَّهُمْ أَمَرُوكُمْ بِعِبَادَتِهِمْ؛ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى بِقَوْلِهِ:{مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}”

يعني في جواب قول الله- جلّ وعلا-: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ }[المائدة:116] فيجيب بهذا الجواب.

“وَيَجُوزُ أَنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ الْأَصْنَامُ أَيْضًا، أَيْ يُحْيِيهَا اللَّهُ حَتَّى تُخْبِرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ.”

نعم، فالله -جلّ وعلا- قادر على أن ينطق هذه الأصنام، وإن كانت من حجارة.

“{وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}هُوَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ؛ أَيْ لَا أَحَدَ أَخْبَرُ بِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ، فَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُهُ فِي عَمَلِهِ.”

{وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}، استدل أهل العلم بهذا على أن، الإنباء والإخبار بمعنًى واحد، الإنباء والإخبار بمعنًى واحد، فسواءً قال الراوي: أنبأنا وأخبرنا، لا فرق، (ولا ينبئك مثل خبير)لكن لو كان المراد مثل ما قيل، لقال: (لينبئك مثل مخبر) مثل مخبر، فإنما في قوله- جلّ وعلا-:{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}[الزلزلة:4] دليل على أن التحديث والإخبار، بمعنى واحد.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}أَيِ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي بَقَائِكُمْ وَكُلِّ أَحْوَالِكُمْ. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ عَرَّفَ الْفُقَرَاءَ؟ قُلْتُ: قَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ يُرِيَهُمْ أَنَّهُمْ لِشِدَّةِ افْتِقَارِهِمْ إِلَيْهِ هُمْ جِنْسُ الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ مُفْتَقِرِينَ إِلَيْهِ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ مِمَّا يَتْبَعُ الضَّعْفَ، وَكُلَّمَا كَانَ الْفَقِيرُ أَضْعَفَ كَانَ أَفْقَرَ وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالضَّعْفِ فِي قَوْلِهِ: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، وَقَالَ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ}وَلَوْ نَكَّرَ لَكَانَ الْمَعْنَى : أَنْتُمْ بَعْضُ الْفُقَرَاءِ .

فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قُوبِلَ الْفُقَرَاءُ بِ(الْغَنِيُّ) فَمَا فَائِدَةُ (الْحَمِيدُ)؟ قُلْتُ: لَمَّا أَثْبَتَ فَقْرَهُمْ إِلَيْهِ وَغِنَاهُ عَنْهُمْ، وَلَيْسَ كُلُّ غَنِيٍّ نَافِعًا بِغِنَاهُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْغَنِيُّ جَوَادًا مُنْعِمًا، وَإِذَا جَادَ وَأَنْعَمَ حَمِدَهُ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْحَمْدَ ذَكَرَ (الْحَمِيدُ) لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ الْغَنِيُّ النَّافِعُ بِغِنَاهُ خَلْقَهُ، الْجَوَادُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، الْمُسْتَحِقُّ بِإِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْمَدُوهُ. وَتَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ أَجْوَدُ الْوُجُوهِ عِنْدَ الْخَلِيلِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْأُولَى وَحْدَهَا وَتَخْفِيفُهُمَا وَتَحْقِيقُهُمَا جَمِيعًا. {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}تَكُونُ (هُوَ) زَائِدَةً، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ.”

تخفيف الهمزة الثانية، أجود الوجود، ويجوز تخفيف الأولى وحدها، ويجوز تخفيف الأولى وحدها بعد ذلك، تخفيفها ولا تحقيقها؟

تخفيفهما، وتحقيقهما جميعًا.

لأنه يقول يجوز تخفيف الهمزة الثانية، تخفيف الهمزة الثانية أجود عند الخليل، في قوله؟

“الفقراء إلى الله”

الفقراء إلى الله، نعم، تخفيف الهمزة الثانية، أجود “الفقراء إلى الله”

“الفقراء إلى الله”

ويجوز تخفيف الأولى وحدها.

“الفقراء إلى الله”

تخفيف الأولى وحدها.

تخفيفهما، وتحقيقهما.

جميعًا نعم.

هذا كلام الزمخشري؟ كل الكلام للزمخشري؟

طالب:…….

تخفيف الأولى؛ يعني مع تحقيق الثانية، ويجوز تخفيف الأولى وحدها، وتخفيفهما؛ يعني الاثنتين، وتحقيقهما معًا، تحقيق الهمزتين.

“{وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}تَكُونُ (هُو) زَائِدَةً، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَتَكُونُ مُبْتَدَأَةً فَيَكُونُ مَوْضِعُهَا رَفْعًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ}فِيهِ حَذْفٌ؛ الْمَعْنَى إِنْ يَشَأْ أَنْ يُذْهِبْكُمْ يُذْهِبْكُمْ؛ أَيْ يُفْنِيكُمْ. {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}أَيْ أَطْوَعِ مِنْكُمْ وَأَزْكَى. {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيز}أَيْ مُمْتَنِعٍ عَسِيرٍ مُتَعَذَّرٍ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (إِبْرَاهِيمَ). 

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}  تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَهُوَ مَقْطُوعٌ مِمَّا قَبْلَهُ. وَالْأَصْلُ (تَوْزَرُ) حُذِفَتِ الْوَاوُ اتِّبَاعًا لِيَزِرُ. (وَازِرَةٌ)نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ نَفْسٌ وَازِرَةٌ. وَكَذَا {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا}قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ أَوْ دَابَّةٌ. قَالَ: وَهَذَا يَقَعُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: أَيْ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِنْسَانًا إِلَى حِمْلِهَا وَهُوَ ذُنُوبُهَا. وَالْحِمْلُ مَا كَانَ عَلَى الظَّهْرِ، وَالْحَمْلُ حَمْلُ الْمَرْأَةِ وَحَمْلُ النَّخْلَةِ؛ حَكَاهُمَا الْكِسَائِيُّ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ. وَحَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ حَمْلَ النَّخْلَةِ يُفْتَحُ وَيُكْسَرُ. {لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}التَّقْدِيرُ عَلَى…”

هذا من باب تمثيل المعنوي بالمحسوس، (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)لا يمكن أن يحمل الإنسان من ذنوب غيره شيء، من أوزار غيره شيء، إلا إذا كان سببًا فيها، {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ}[النحل:25] ، إذا كانوا السبب فهي أوزارهم، لكن الأصل أن كل واحٍد يكتب عليه ذنوبه، (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)؛ يعني البنت إذا رأت أمها متكلفة بحملها، عليها مشقة عظيمة في حملها هذا، حملت بولد، وتكلفت فيه مشقة عظيمة، هل تستطيع هذه البنت أن تخفف من حمل أمها فتحمل منه شيء؟ لا يمكن. وهذا تصوير بديع جدًا، إذا كانت البنت، وهي أقرب الناس إلى أمها لا تستطيع أن تخفف من حمل أمها شيئًا، فإنها لا تستطيع أن تحمل عنها من أوزارها شيئا.

 “{لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}التَّقْدِيرُ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ: وَلَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ الْمَدْعُوُّ ذَا قُرْبَى. وَأَجَازَ الْهَرَّاءُ وَلَوْ كَانَ ذُو قُرْبَى. وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَمِثْلُهُ {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}.”

يعني إذا كان تامة، إذا كانت تامة، في قوله (وإن كان ذو عسرة)يعني وجد ذو عسرة، فكان هنا تامة، أما كان في الآية فهي ناقصة تحتاج إلى اسم وخبر.

“فَتَكُونُ كَانَ بِمَعْنَى وَقَعَ، أَوْ يَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا؛ أَيْ وَإِنْ كَانَ فِيمَنْ تُطَالِبُونَ ذُو عُسْرَةٍ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: النَّاسُ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرٌ فَخَيْرٌ؛ عَلَى هَذَا. وَخَيْرًا فَخَيْرٌ؛ عَلَى الْأَوَّلِ.

وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ يَرَى الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أَكُنْ قَدْ أَسْدَيْتُ إِلَيْكَ يَدًا، أَلَمْ أَكُنْ قَدْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ؟ فَيَقُولُ بَلَى. فَيَقُولُ: انْفَعْنِي؛ فَلَا يَزَالُ الْمُسْلِمُ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى يَنْقُصَ مِنْ عَذَابِهِ. وَأَنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي إِلَى أَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: أَلَمْ أَكُنْ بِكَ بَارًّا، وَعَلَيْكَ مُشْفِقًا، وَإِلَيْكَ مُحْسِنًا، وَأَنْتَ تَرَى مَا أَنَا فِيهِ، فَهَبْ لِي حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِكَ، أَوِ احْمِلْ عَنِّي سَيِّئَةً؛ فَيَقُولُ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتَنِي يَسِيرٌ؛ وَلَكِنِّي أَخَافُ مِثْلَ مَا تَخَافُ. وَأَنَّ الْأَبَ لَيَقُولُ لِابْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوًا مِنْ هَذَا. وَأَنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ لِزَوْجَتِهِ: أَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ الْعِشْرَةَ لَكِ، فَاحْمِلِي عَنِّي خَطِيئَةً لَعَلِّي أَنْجُو؛ فَتَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ لَيَسِيرٌ وَلَكِنِّي أَخَافُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ. ثُمَّ تَلَا عِكْرِمَةُ: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَلْقَى وَلَدَهَا فَتَقُولُ: يَا وَلَدِي، أَلَمْ يَكُنْ بَطْنِي لَكَ وِعَاءً، أَلَمْ يَكُنْ ثَدْيِي لَكَ سِقَاءً، أَلَمْ يَكُنْ حِجْرِي لَكَ وِطَاءً؛ فيَقُولُ: بَلَى يَا أُمَّاهُ؛ فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ، قَدْ أَثْقَلَتْنِي ذُنُوبِي فَاحْمِلْ عَنِّي مِنْهَا ذَنْبًا وَاحِدًا؛ فَيَقُولُ: إِلَيْكِ عَنِّي يَا أُمَّاهُ، فَإِنِّي بِذَنْبِي عَنْكِ مَشْغُولٌ.”

لكن انتفاع الولد بوالده، فضل من الله- جلّ وعلا- لا من الوالد،{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٌ}[الطور:21] ، يعني ما نقصناهم من أعمالهم من شيء، والأسئلة المذكورة هنا تتضمن نقص الوالد، و نقص الوالدة، وهذا كله منفي.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}أَيْ إِنَّمَا يَقْبَلُ إِنْذَارَكَ مَنْ يَخْشَى عِقَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}. 

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ}أَيْ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ. وَقُرِئَ: (وَمَنِ ازَّكَّى فَإِنَّمَا يَزَّكَّى لِنَفْسِهِ).”

والتزكية تكون بالإيمان النافع والعمل الصالح الإيمان الخالص لله -جلّ وعلا- والعمل الصالح، الخالص لوجه الله- جلّ وعلا- الموافق لما جاء عن النبي- عليه الصلاة والسلام- نعم.

“{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير}أَيْ إِلَيْهِ مَرْجِعُ جَمِيعِ الْخَلْقِ.

 قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}أَيِ الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ. مِثْلُ: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}. {وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ}قَالَ الْأَخْفَشُ سَعِيدٌ: لَا زَائِدَةٌ.”

الأصل لا يقول سعيد؛ لأن الأخفش إذا أطلق يراد به الأوسط؛ سعيد بن مسعدة المجاشعي، نعم.

“لَا زَائِدَةٌ؛ وَالْمَعْنَى وَلَا الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ}. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَالْحَرُورُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ شَمْسِ النَّهَارِ، وَالسَّمُومُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ، وْقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: (الْحَرُورُ) تَكُونُ بِالنَّهَارِ خَاصَّةً، وَالسَّمُومُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ خَاصَّةً، حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: السَّمُومُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّهَارِ، وَالْحَرُورِ يَكُونُ فِيهِمَا. قَاَلَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ( الْحَرُورَ) فَعُولٌ مِنَ والْحَرِّ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّكْثِيرِ، أَيِ الْحَرَّ الْمُؤْذِي.”

والحرّ المؤذي كما يوجد في النهار بكثرة، أكثر من الليل؛ لوجود الشمس، يوجد أيضًا في الليل، يعني أكثر ما يوجد الحرّ في النهار؛ لأن الشمس لاشك أنها مصدر، يوجد أيضًا بالليل، لا سيما مع سكون الهواء، ومع الرطوبات في السواحل وغيرها، يوجد الحرّ الشديد في الليل كما يوجد في النهار.

“قُلْتُ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:‹‹قَالَتِ النَّارُ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسُ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ. ››وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ‹‹فَمَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ فَمِنْ سَمُومِهَا وَشِدَّةِ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا››وَهَذَا يَجْمَعُ تِلْكَ الْأَقْوَالَ، وَأَنَّ السَّمُومَ وَالْحَرُورَ يَكُونُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ فَتَأَمَّلْهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظِّلِّ وَالْحَرُورِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ؛ فَالْجَنَّةُ ذَاتُ ظِلٍّ دَائِمٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا وَالنَّارُ ذَاتُ حَرُورٍ}، وَقَالَ مَعْنَاهُ السُّدِّيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ ظِلُّ اللَّيْلِ، وَحَرُّ السَّمُومِ بِالنَّهَارِ. قال قُطْرُبٌ: الْحَرُورُ الْحَرُّ، وَالظِّلُّ الْبَرْدُ.

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْأَحْيَاءُ الْعُقَلَاءُ، وَالْأَمْوَاتُ الْجُهَّالُ. قَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ كُلُّهَا أَمْثَالٌ؛ أَيْ كَمَا لَا تَسْتَوِي هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ.

{إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ}؛ أَيْ يُسْمِعُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ لِجَنَّتِهِ.

{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور}أَيِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ أَمَاتَ الْكُفْرُ قُلُوبَهُمْ؛ أَيْ كَمَا لَا تُسْمِعُ مَنْ مَاتَ، كَذَلِكَ لَا تُسْمِعُ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى الثَّقَفِيُّ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: (بِمُسْمِعِ مَنْ فِي الْقُبُورِ) بِحَذْفِ التَّنْوِينِ تَخْفِيفًا؛ أَيْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ فِي أَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَقْبَلُونَهُ.”

وهذا فيه ما تقدم أن اسم الفاعل العامل إذا كان في المضي، قطع عن الإضافة، “بمسمع من في القبور” وإذا كان في المعنى المستقبل، بمسمع في المستقبل، فتقطع عن الإضافة وتنون، “بمسمعٍ من في القبور”.

“قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ}؛ أَيْ رَسُولٌ مُنْذِرٌ؛ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا التَّبْلِيغُ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ إِنَّمَا الْهُدَى بِيَدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}أَيْ بَشِيرًا بِالْجَنَّةِ أَهْلَ طَاعَتِهِ، وَنَذِيرًا بِالنَّارِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ. {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِير}أَيْ سَلَفَ فِيهَا نَبِيٌّ. قَالَ ابْنُ (جُرَيْجٍ): إِلَّا الْعَرَبَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ}يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ. {فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}أَنْبِيَاءَهُمْ، يُسَلِّي رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أَيْ بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَاتِ وَالشَّرَائِعِ الْوَاضِحَاتِ. {وَبِالزُّبُرِ}أَيِ الْكُتُبِ الْمَكْتُوبَةِ. {وَبِالْكِتَابِ الْمُنِير}ِ أَيِ الْوَاضِحِ. وَكَرَّرَ (الزُّبُرِ) وَ (الْكِتَابِ)، وَهُمَا وَاحِدٌ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ (الْبَيِّنَاتِ) وَ (الزُّبُرِ) وَ (الْكِتَابِ) إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكُتُبِ. {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}أَيْ كَيْفَ كَانَتْ عُقُوبَتِي لَهُمْ. وَأَثْبَتَ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ وَشَيْبَةَ الْيَاءَ فِي (نَكِيرِي).”

يعني هذا هو الأصل؛ لكن حذفها مراعاة لرؤؤس الآية، {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}[ق:45]،{فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}[الملك:18]، الأصل نكيري، ووعيدي، لكن مراعاة لرؤؤس الآية تحذف الياء. 

“حَيْثُ وَقَعَتْ فِي الْوَصْلِ دُونَ الْوَقْفِ. وَأَثْبَتَهَا يَعْقُوبُ فِي الْحَالَيْنِ، وَحَذَفَهَا الْبَاقُونَ فِي الْحَالَيْنِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلُّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.”

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.

%d مدونون معجبون بهذه: